مُخرجات التعليم في دول الخليج العربية وعملية التنمية الشاملة (رؤى ودلالات)

::cck::1200::/cck::
::introtext::

إن هدف التربية تنمية الفرد وتهيئته للمستقبل. والإعداد للمستقبل لا يمكن القيام به على الوجه الصحيح إلا من خلال تحديد احتياجات المجتمع وفهم التغيرات المتوقع حصولها، وتعريف العوامل المؤثرة فيها واستيعاب أبعادها وآثارها المحتملة، بما يساعد على رسم خيارات مناسبة للظروف والمواقف في المرحلة المقبلة في إطار قيم المجتمع ومبادئه وإمكاناته، وبما يوفر مرونة كافية في الحركة أمام مخططي السياسات ومتخذي القرارات، ويتيح فرصة للتكيف مع متغيرات المستقبل أمام المنفذين والممارسين في الميدان.

 

::/introtext::
::fulltext::

إن هدف التربية تنمية الفرد وتهيئته للمستقبل. والإعداد للمستقبل لا يمكن القيام به على الوجه الصحيح إلا من خلال تحديد احتياجات المجتمع وفهم التغيرات المتوقع حصولها، وتعريف العوامل المؤثرة فيها واستيعاب أبعادها وآثارها المحتملة، بما يساعد على رسم خيارات مناسبة للظروف والمواقف في المرحلة المقبلة في إطار قيم المجتمع ومبادئه وإمكاناته، وبما يوفر مرونة كافية في الحركة أمام مخططي السياسات ومتخذي القرارات، ويتيح فرصة للتكيف مع متغيرات المستقبل أمام المنفذين والممارسين في الميدان.

في مطلع القرن الحادي والعشرين تقف البشرية على عتبات عصر جديد، تبدو بعض ملامحه واضحة من خلال سرعة وتيرة التغيير، وتفجر المعرفة الإنسانية والتقدم المذهل في الاتجاهات العلمية وتطبيقاتها في مجالات تقنية المعلومات والفضاء الخارجي والتقنيات الحيوية (البيولوجية) وتقنيات الإنتاج، كما تبدو بعض ملامحه الأخرى من خلال العولمة وما ينتج عنها من زوال حواجز طول المسافات وبعد الأمكنة، وتأثير ذلك في النظم السياسية والاجتماعية وفي الثقافات والقيم الانسانية، والتنافس المحموم على الموارد والأسواق وما يسببه من تحديات كبيرة أمام اقتصاد الدول النامية ومعدلات التنمية فيها، بالإضافة إلى التحديات التي قد تتزايد ضغوطها أمام الدول الأعضاء مستقبلاً، ومن أبرزها انعكاسات معدلات النمو السكاني العالية على التنمية فيها، ومشكلات التمويل بسبب تذبذب أسعار النفط وتوقع نضوبه من بعض هذه الدول قريباً. ووسط كل هذه المتغيرات تتطلع هذه الدول إلى المستقبل، تحمل معها أمانات كبرى، أبرزها:

* الدفاع عن أمنها واستقلالها وسيادتها وكيانها الموحد ومصالحها المشتركة وانتمائها العربي الإسلامي الأصيل.

* صيانة المكتسبات الحضارية التي حققتها خلال فترة تاريخها الحديث، وزيادة معدلات التنمية في المستقبل لضمان استمرار التقدم والازدهار لمجتمعاتها.

* الاستثمار الأمثل لثروتها البشرية بما يؤدي إلى تحقيق التنمية الشاملة المستدامة.

* الحفاظ على ثقافة عريقة مستمدة من هدي الإسلام وتعاليمه الداعية إلى عبادة الخالق الواحد سبحانه وتعالى على بصيرة، وإلى إعمار الكون والتعارف بين الأمم، والتعاون على البر والخير ونبذ الفرقة والنزاع والخلاف، وتنمية هذه الثقافة المجيدة والتعريف بها.

* الإسهام في استمرار التقدم والرخاء في العالم عن طريق إمداده بمصادر الطاقة، عصب الاقتصاد في العالم.

* الإسهام بفاعلية في الفكر العالمي والإبداع العلمي والتطور التقني وازدهار العلم والاقتصاد والثقافة والحضارة على مستوى العالم.

* المحافظة على السلام والعدل والاستقرار والرخاء في المنطقة والعالم بمحاربة أسباب العدوان والإرهاب والتخلف.

ومن جهة أخرى فإن دول الخليج الصاعدة والطموحة، وخاصة الدول الصغيرة التي ارتفعت مداخيلها وتطور اقتصادها بسرعة (قطر والبحرين)، وجدت الفرصة سانحة للانخراط بالسعي نحو تحقيق مكانة متقدمة عالمياً، وتكوين صورة ذهنية مختلفة لها على المستوى الدولي، تلعب فيها التنمية والتطور الاقتصادي والتعليمي دوراً رئيسياً. لذا فإن تلبية متطلبات سوق العمل في بيئة دولية تنافسية كانت ضمن أهم أهداف خطط تطوير التعليم في هذه الدول الصغيرة.

وعليه ففي كل دول الخليج كانت هناك (مبادرات) أو (مشروعات) تحت أسماء مختلفة، وفي هذا الإطار أصبحت وزارات التربية والتعليم تعترف، في صراحة مثيرة للتساؤل والدهشة، بتدني الأداء التعليمي، وتتنافس على انتقاد ذاتها، وتتفق على الحاجة إلى التطوير.

وفي ضوء هذه الاعتبارات يبدو جلياً حاجة الدول الأعضاء الملحة إلى تعزيز تعاونها التربوي المشترك، بحيث يعنى بمستويات متقدمة من التطوير التربوي المبني على نتائج البحوث العلمية، وذلك لعدة أسباب من أهمها:

* كونها كياناً سياسياً موحداً في نطاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وما يقتضيه ذلك من ضرورة التخطيط الاستراتيجي في التعامل مع القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والأمنية.

* حاجتها الملحة إلى إدخال تطوير ذي نوعية عالية الجودة على نظام التربية والتعليم فيها باعتباره آلية رئيسية لبناء قدراتها الذاتية لتلبية مطالب التنمية في المرحلة المقبلة ومواجهة التحديات التي تواجهها مستقبلاً.

* حاجة الدول الست كافة إلى الاستعانة بخبرات عالية الكفاءة ونادرة التخصصات في بعض المجالات، للاستعانة بها في إحداث التطوير الشامل لأنظمتها التعليمية، مما يمثل هدراً في الطاقات جهداً ووقتاً ومالاً، لو انفردت كل دولة بمشروعاتها.

* مصلحة الدول كافة في استثمار الطاقات والموارد المشتركة بينها لخفض التكاليف المالية لمشروعات التطوير المتشابهة.

* مصلحة الدول كافة في قيام مشروعات كبرى مشتركة تجسد التعاون وتوحد الجهود وتستثمر الطاقات والخبرات المتوافرة في كل دولة.

وفي هذا السياق يمثل مشروع استشراف مستقبل العمل التربوي في الدول الأعضاء (والموضوع في ديسمبر 1998) في هذه الفترة بالذات قراراً حكيماً يستهدف رسم التوجهات الأساسية للتربية والتعليم في العقدين المقبلين، وتحديد آفاق العمل التربوي المشترك بين هذه الدول الشقيقة، في إطار استراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول مجلس التعاون (2000 ? 2025م). وأبرز ما جاء فيه.

(تحديد توجهات العمل المستقبلية التي يمكن أن تطرح خيارات مناسبة أمام الدول الأعضاء لتطوير نظمها التعليمية لتكون أكثر استجابة للاحتياجات المستجدة وللمتغيرات العالمية، وبخاصة في مجال التعاون التربوي فيما بينها، وذلك عن طريق الآتي:

* رصد أبرز ملامح واقع الأنظمة التعليمية في الدول الأعضاء والمشكلات المتشابهة بينها، وتعريف مشروعات التطوير التربوي الكبرى الرئيسة في تلك الدول.

* رصد المتغيرات الكبرى التي سيشهدها العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، والتي تؤثر مباشرة في التعليم في الدول الأعضاء.

* تحديد أولويات العمل التربوي المشترك لمستقبل التربية والتعليم بين الدول الأعضاء بالمكتب.

وقد تم تحديد الأطر العامة لاستشراف مستقبل العمل التربوي في الدول الأعضاء فيما يأتي:

1- يتمثل الاستشراف بكونه رؤية نقدية مستقبلية واعية للمتغيرات العالمية والمحلية في المجالات العلمية والاقتصادية وغيرها من مجالات الحياة، تؤدي إلى معرفة طبيعة التحديات المحتملة وتأثيراتها المباشرة على التربية، وتحديد الإمكانات الممكنة والخيارات المتاحة لمواجهة التحديات والتغلب على المعوقات، والتمكن من تطوير العمل التربوي بما يتناسب مع مطالب التنمية البشرية واستدامتها في المستقبل.

2- تتصف اتجاهات وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي بالشمولية والمرونة، بما يتيح أمام الدول الأعضاء قدراً كافياً من خيارات العمل التي يمكن ربطها بمطالب التنمية فيها بصورة متناسقة ومتكاملة.

3- تكتمل عملية استشراف مستقبل العمل التربوي بمشاركة المؤسسات المجتمعية في الدول الأعضاء ـ على اختلاف طبيعة عملها واختصاصاتها وإسهامها في تحديد اتجاهات تطوير العمل التربوي ـ وذلك للوقوف على الاحتياجات المتجددة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولتهيئة مؤسسات العمل والإنتاج في المجتمع لمخرجات التعليم مستقبلاً.

4- تكون نواتج استشراف مستقبل العمل التربوي ذات صيغة مشتركة تعكس اهتمامات الدول الأعضاء وتطلعاتها المستقبلية، وتعزز أواصر التعاون والعمل المشترك فيما بينها، استثماراً للطاقات وتوفيراً للجهود وتحقيقاً للأهداف والغايات المشتركة.

5- تفضي عملية استشراف مستقبل العمل التربوي إلى رؤية مستقبلية تساعد على وضع توجهات استراتيجية عامة لتطوير العمل التربوي، وإلى خطط عمل مرحلية مناسبة تنفذ بآليات محددة في فترات زمنية متتالية، تفصل برامجها ومشروعاتها وفق الحاجات المتجددة والظروف المتغيرة.

نماذج من عملية التطوير في دول الخليج العربية

بسبب التنافسية الشديدة التي انتظمت عالم اليوم، وما أفرزته ثورة الاتصالات والمعلوماتية، وما أحدثه الانفتاح الاقتصادي العالمي القائم على المعرفة من سباق محموم، وانعكاس كل ذلك على سوق العمل وعولمته، أضحت كافة دول العالم، بلا استثناء، بحاجة إلى نظام تعليمي حديث، يواكب هذه التغيرات، ويلبي الطموحات والتطلعات، ويخرج أجيالاً بمواصفات عالمية قادرة على العطاء، في عصر تلاشت فيه الحدود، وتزايد فيه الاعتماد المتبادل بين دول العالم.

وفي هذا السياق جاءت مبادرة تطوير التعليم بدولة قطر و(تعليم لمرحلة جديدة)، لتحقق ذات الأهداف في تناسق وتناغم مع مبادرات تطويرية أخرى شملت المنظومة التربوية في كثير من البلدان، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، هادفة إلى إحداث تعديلات جوهرية في نظم المناهج الدراسية والإدارة المدرسية والتقويم وتحسين مستوى أداء الطلاب.

حدث ذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودول أخرى عديدة في المنطقة. لقد وجدت المبادرة القطرية التقدير من المسؤولين عن التعليم في هذه الدول، لما انطوت عليه من أفكار مستنيرة، وما تضمنته من مبادئ ومرتكزات كالاستقلالية والمحاسبية والتنوع والاختيار مثلت في جوهرها قوة دفع ذاتي كفيلة بنجاح المبادرة وضمان استمراريتها. لقد حفلت المبادرات الأخرى بذات الأفكار والمبادئ، وعالجت القضايا ذاتها التي طرحتها المبادرة القطرية في سياقات مختلفة، كالإدارة المستقلة للمدارس، المحاسبية، وضوح الرؤية والشفافية.. إلخ.

لقد اعتمدت هذه المبادرات على معالجة التحديات التي واجهت التغيير الجديد، فثمة توافق في الآراء بين الباحثين والتربويين مؤداه عدم اعتبار التعليم كياناً حكومياً بأكمله، بيد أنه لا يمكن اعتباره كياناً خاصاً كذلك، لذا ظهر في أدبيات التربية الحديثة مفهوم الشراكة التربوية التي تزاوج بين أدوار كل الفاعلين في العملية التربوية، بما في ذلك الحكومة والقطاع الخاص وأولياء الأمور والطلاب والمعلمين والأسرة والمجتمع والوسائط الإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني وكل المهتمين بالعملية التربوية حتى يصبح التعليم مسؤولية الجميع.

كان التعليم – وما زال- هادفاً إلى تلقين الحقائق أكثر من تنمية المهارات أو القدرة على التفكير الخلاق الناقد، مرتبطاً بالتوسع الأفقي، مستخدماً المعايير الكمية في رصد مخرجاته من دون حصول تحسينات جوهرية في نوعية المهارات وتعزيزها، متسماً بتدني التحصيل المعرفي وقلة تراكمه، وضعف القدرة على التحليل والابتكار لدى الطلاب، مشوهاً نظام التفكير عند الناشئة، مقصراً عن الوفاء بمقتضيات ومتطلبات تطوير المجتمع حيث يصل الطلاب إلى مستويات متقدمة وهم غير مؤهلين للتعلم.

وفي هذا السياق اهتدت بعض الدول إلى إيجاد طرائق أفضل لقياس نوعية التعليم ومدى ملاءمته لواقعها وخصوصياتها، بما في ذلك تعديل السياسات وتغيير الأهداف والمقاصد التربوية، ووضع معايير واقعية لتقييم العملية التربوية موضع التنفيذ، والمساعدة على توجيه جهود المعلمين وتطويرها، وتعزيز المساءلة أو المحاسبية التربوية، وزيادة وعي الجمهور ودعمه للتعلم، واعتماد مبدأ التعليم التفاعلي الذي يعزز المشاركة بين المعلم والطالب وولي الأمر والأسرة. تعليم يسعى إلى إكساب المهارات اللازمة لعملية تعلم ذاتي ومتفاعل ومستمر مدى الحياة، ويفرز التفكير الإبداعي والابتكاري الناقد، ويعزز العمل الجماعي، وينمي الثقة بالذات، والقدرة على اتخاذ زمام المبادرة، وتحمل المسؤوليات، والوصول للمعلومات وعرضها وتحليلها وتوظيفها، والتفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى واحترامها، ويعظم الاستفادة من الاكتشافات الجديدة واستخدامها في تحسين الإنتاجية مما يفضي إلى رفاهية المجتمع برمته. فقد أضحى تطوير المنظومة التعليمية والارتقاء بها مجالاً وعنصراً مهماً في التنافسية الدولية ومدخلاً للاستقطاب العالمي في عالم يتسم بالمعرفة النوعية، توجهه وتتحكم في مساره العولمة بكل أدواتها وآلياتها وتجلياتها.

استجابة لهذه التحديات والمتغيرات ظهرت مبادرة تطوير التعليم العام في دولة قطر (تعليم لمرحلة جديدة)، مصطحبة معها كل المحاولات والجهود التربوية التي بذلت على المستوى الوطني والرامية لتطوير المنظومة التربوية مستأنسة بها ومستفيدة من معطياتها في آن واحد، بما في ذلك جهود خبراء منظمة اليونسكو لتقييم التعليم في قطر 1990، وجهود وزارة التربية والتعليم خلال عقد التسعينات وقبله، والمتمثلة في توصيات فرق العمل المختلفة المختصة والمؤتمرات والملتقيات العلمية ذات الصلة بهذا الشأن.

أ- الاستقلالية والمحاسبية والتنوع أهم مبادئ المبادرة القطرية

انطلقت المبادرة رسمياً في عام 2002م بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم، متفاعلة ومتكاملة مع المبادرات التطويرية الأخرى على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مرتكزة على أربعة مبادئ أساسية توجه مسارها هي:

الاستقلالية: وتعمل على تشجيع الإبداع والابتكار والارتقاء بتحسين أداء الطالب من خلال إنشاء ودعم مدارس مستقلة بتمويل مالي حكومي، تتمتع بحرية اختيار فلسفتها التربوية وطرق تدريسها ما دامت ملتزمة بالمعايير الجديدة لمناهج اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم.

المحاسبية: وتضع المدارس في موضع المسؤولية لقياس وتقويم مدى تعلم الطالب وتطوره ومدى تقدم أداء المدرسة.

التنوع: ويوفر بدائل تربوية متنوعة مع الالتزام بمعايير ثابتة لمستوى الأداء حيث الفرصة متاحة لأولياء الأمور والتربويين ورجال الأعمال وكل مهتم بالارتقاء بنوعية التعليم في التقدم للحصول على ترخيص لإنشاء مدرسة مستقلة لترجمة فلسفتهم التربوية.

الاختيار: ويمنح أولياء الأمور الفرصة والحق في اختيار المدارس التي تتناسب ورغبات أبنائهم وحثهم على الإسهام في القرارات المدرسية.

وهدفت المبادرة إلى تقديم تعليم عالي النوعية مستند إلى معايير تتفق والتوقعات الدولية لما يجب أن يتعلمه الطالب، ويمكن خريجي النظام التعليمي من الالتحاق بأرقى الجامعات في العالم، هذه المعايير تبين المهارات التي يتعين على المتعلم أن يكتسبها ويتقنها ويكون قادراً على توظيفها بكفاءة واقتدار بنهاية الصف الدراسي، كما أنها تضع تصوراً لما يجب أن تكون عليه الممارسة التعليمية في المدارس، بالإضافة لإعداد جيل متميز يتمتع بشخصية قوية متسلح بالعلم والمعرفة، وذلك بإنشاء مدارس مستقلة تعمل على تطوير قابلية التعلم لدى الطلاب من خلال تطبيق مجموعة من المناهج والمعايير المرتكزة على قواعد عالمية تعمل على تحفيز قدراتهم الابتكارية والتأكد من اكتساب الطلاب للمهارات الرئيسية مثل التفكير النقدي وحل المشكلات واتخاذ القرارات والإبداع والقدرة على استخدام التقنيات الحديثة والتواصل معها بفاعلية للوصول إلى أفضل المستويات العلمية التي تضارع المستويات العالمية، بالإضافة إلى تلبية احتياجات سوق العمل المحلية والعالمية، وإشراك أولياء الأمور في العملية التعليمية وتلبية طموحاتهم، وتنشئة مواطنين يشاركون بفاعلية في تنمية الوطن، وغيرها من الأهداف والمقاصد التي تطمح المبادرة إلى تحقيقها.

ولم تنس المبادرة- تعليم لمرحلة جديدة- علاقة منظومة التعليم بالسياق الاجتماعي والثقافي، مستفيدة من معطيات التجارب العالمية مع الحفاظ على الهوية والذاتية العربية والإسلامية، مركزة على دور التعليم الاجتماعي ووظيفته النهضوية في سياق الخصوصية الثقافية والثوابت الوطنية، مهتمة في هذا الشأن بسنوات الطفولة المبكرة ودورها الرائد في تشكيل وتخليق العقل البشري، وتحديد مدى قابلياته وإمكاناته وتنميتها، مدركة تمام الإدراك أن المعلم المقتدر المتحلي بالدافعية والطالب الذي يشعر بالرضا النفسي في ظل بيئة تربوية داعمة ومعززة للعطاء التربوي هما أفضل سبيل لإنجاح أي نظام تعليمي وتطويره وضمان استدامته.

مجالس الأمناء في قطر نموذج للإدارة المدرسية الحديثة

أعادت المبادرة توزيع الإشراف على المدارس بتجنب تركيز الصلاحيات كلها في أيدي أصحاب التراخيص أو مديري المدارس فوسعت من دائرة اتخاذ القرار وذلك بإشراك المجتمع في الإدارة المدرسية من خلال مجالس الأمناء التي تضم في عضويتها أولياء الأمور والهيئة التدريسية ومؤسسات التعليم والقطاع الخاص وممثلي المجتمع المحلي الأوسع والشخصيات ذات العطاء التربوي والعلمي، وذلك تحقيقاً لمفهوم الشراكة التربوية، وتعزيزاً للتعبئة العامة حتى يصبح التعليم مسؤولية مجتمعية وهمَّاً وطنياً. تعليم يجابه التحديات الراهنة ويستشرف المستقبل بكل اقتدار من خلال إيجاد وعي لدى الطلاب بطبيعة هذه التحديات وتوصيف الدور المنوط بهم كشركاء في صناعة الحاضر وتشكيله وكقادة للمستقبل، بما في ذلك فهم المتغيرات الكونية المتمثلة في العولمة والاقتصاد الحديث وقيمه وآليات عمله وممارساته وترابطاته واعتماده المتبادل وكيفية التعامل معه، كل ذلك يتم من خلال اكتساب المعرفة الإنسانية الحديثة وتطويرها وتوطينها وتكييفها ونشرها واكتساب المهارات التحليلية التي تتصل بحل المشكلات وضمان العيش الكريم في عالم سريع التغير.

كما توجد هنالك مبادرة (تعليم لمرحلة جديدة)، التي يرعاها المجلس الأعلى للتعليم (أنشئ عام 2002)، وهناك تجربة المدارس المستقلة، التي تقوم على منح المدارس صلاحيات كبيرة وإنهاء السيطرة المركزية عليها، وتطوير مناهجها وأساليب التعليم فيها. ومن المستهدف أن تصبح كل مدارس قطر مدارس مستقلة خلال السنوات المقبلة.

وعلى المستوى الإقليمي قامت بعض البلدان العربية بتبني مشروعات تطويرية شملت منظومتها التربوية منها على سبيل المثال دولة الإمارات العربية المتحدة، هادفة إلى بناء نظام تعليمي جديد وذلك لتخريج أجيال مستنيرة قادرة على خوض مسار التعليم العالي بنجاح، ومستعدة للتعامل بكفاءة مع متطلبات العصر، بل مؤهلة لتحمل المسؤوليات التي تتطلبها خطط التنمية الشاملة في كافة المجالات، وذلك من خلال تطوير معايير تربوية بدرجة عالمية مناسبة للإمارات العربية المتحدة، والانتقال إلى بيئة تعلم متمحورة حول الطالب، وإعادة تنظيم النظام التربوي مع زيادة جوهرية في السلطة والمسؤولية والمؤهلات والقابلية للمحاسبة في المدارس ووضعها في محور الإصلاح التربوي، ودمج التكنولوجيا مع التعلم وتوظيفها لإدارة ومحاسبة النظام التربوي، وتطبيق برنامج ملح لترقية وإعادة بناء وتجهيز أبنية المدرسة، ومراجعة التوظيف والمكافآت والتطوير الحرفي، ووضع برامج تقويم للمعلمين والمديرين والحرفيين في المدارس ومراجعتها بصورة دورية، وزيادة الاستثمار العام والقابلية للمحاسبة زيادة جوهرية من أجل نجاح المدرسة وتعزيز دورها.

وفي دولة الإمارات هناك (مدارس الشراكة ومدارس الغد والمدارس النموذجية) (بدأت محاولات التطوير في الإمارات مبكراً عام 1999 مع خطة (2020)، وتواصلت بعد ذلك بصورة مستمرة)، كما تشكلت مجالس للتعليم في إمارات الدولة تبذل جهوداً متنوعة وتنفذ خططاً لتطوير التعليم بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم. وفي مملكة البحرين هناك (مدارس المستقبل) (أنشئت عام 2004) وجرى مؤخراً إطلاق (المشروع الوطني لتطوير التعليم والتدريب) (ومديره التنفيذي خبير استرالي هو مارتن فورست). وجميع هذه التجارب الخليجية تقوم على فكرة إنشاء مدارس ذات مستوى راق، تتوافر لها الإمكانات اللازمة لتحقيق مخرجات تعليمية عالية المستوى.

وفي كل هذه المدارس يحتل التعليم باللغة الإنجليزية مكاناً شديد الخصوصية. وتعليم الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية يحظى بأولوية مطلقة في خطط الإمارات وقطر، في حين تبدو التقنية ملمحاً بارزاً في التجربة البحرينية. وهناك حضور ملحوظ في الدول الثلاث للخبراء الأجانب، وبيوت الخبرة العالمية، كما أن تجارب الدول التي حققت نجاحاً تعليمياً ملحوظاً، مثل سنغافورة وكندا ونيوزيلندا، توضع نصب الأعين، وترد كثيراً في الخطاب التربوي الرسمي، مع السعي إلى تنفيذ برامج مشتركة مع هذه الدول أو استنساخ تطبيقاتها.

ب- المبادرة الإماراتية وضعت الطالب في قلب العملية التربوية

يلاحظ أن أهم سمات المشروع الإماراتي التركيز على الطالب الذي يستهدفه التطوير، حيث جاء التأكيد على أن إصلاح التعليم والوصول إلى نظام تعليمي فعال لا يمكن له أن يتحقق من دون جعل الطالب محوراً للعملية التعليمية.

وفي هذا الصدد يشدد المشروع على أن التطوير المنشود سيلبي تطلعات دولة الإمارات العربية المتحدة في الوصول إلى اقتصاد متنوع، ويعزز مساهمتها في الثورة التكنولوجية التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، وذلك من خلال تطوير معايير تربوية وفق أسس عالمية، وإقرار نظام حديث للمباني التعليمية، وتهيئة البيئة التعليمية وتزويدها بالبنية التحتية المناسبة من الإنترنت وتقنية المعلومات، وإقرار كادر خاص بالمعلمين والعاملين في التربية والتعليم ورفع مكانة المعلم، وتطوير شامل لقطاع التعليم الخاص وفق أطر قانونية. ولما كان هدف النظام التربوي الجديد تلبية الطلاب لمعايير تعلم عالمية رأت دولة الإمارات العربية المتحدة أنه لا بد من تحديد تلك المعايير، وأن تكون هناك وسيلة لتقويم تعلم الطلاب وتحسين التدريس ومعرفة كيفية عمل النظام بصورة جيدة.

ويذكر المشروع أن تطوير المعايير والمنهاج سوف يتم بمشاركة خبراء دوليين مستفيدين من أعمال الجمعيات المحترفة في الميادين الأكاديمية إلى جانب المشاركة المحلية، ويطور التقويم كذلك باستخدام الخبرة الدولية لضمان قدرة الاختبارات على توفير تغذية مستمرة تكفل نجاح النظام التربوي، كما يتسم المشروع الإماراتي بالقابلية للمحاسبة ومشاركة أولياء الأمور في المدارس، إذ إن نظام التقويم لقياس مدى تعلم الطالب عنصر مهم في أي نظام ليضمن أن نظام التربية مطالب ومساءل أمام المجتمع، وأن يتم تطوير نظام لتقويم أداء المدرس، بالإضافة إلى عناصر أخرى في نظام القابلية للمحاسبة، تشمل تطوير بطاقات تقرير المدرسة التي تبين دور كل مدرسة في تطبيق التطوير وفق أطر زمنية، وتشجع التحسين في الأداء، وتزود الآباء بمعلومات وفق أطر زمنية حديثة عن مدارس أطفالهم، وتعكس مشاركة الآباء في هذا الشأن أهمية الدور الذي يلعبونه في رصد ومتابعة تعلم أبنائهم.

ويقوم المشروع على تفعيل دور المدرسة بحيث تصبح أساساً لعملية التطوير، ويتاح لمديرها وكافة المعلمين فيها الفرصة لأخذ المبادرات المطلوبة وتطويع الممارسات التعليمية الجيدة وذلك في إطار من اللامركزية والاستقلالية وتحمل المسؤولية.

ويشير المشروع إلى أن النجاح في النظام المقترح يعتمد على تغيير نظام التوظيف من خدمة مدنية إلى نظام احترافي على أساس تعاقدي لكل الموظفين. ومقابل تولي المسؤوليات الأكبر في هذا النظام يتلقى المحترفون رواتب أعلى وتطويراً حرفياً طوال الخدمة وفرصاً إضافية للإبداع والإنجاز.

ولم تكن مملكة البحرين بمنأى عن زخم الإصلاح والتطوير الذي طال المنظومة التربوية، فيشير ملخص نتائج تشخيص النظام التعليمي الحكومي والذي اقتبسنا بعض معطياته من مشروع تطوير التعليم والتدريب في مملكة البحرين إلى أن أداء مخرجات النظام التعليمي في المملكة أقل من مستوى الدول المجاورة، ومستوى إتقان الكفايات في المواد الدراسية الأساسية (اللغتان العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم) أقل من المتوقع في كافة المراحل التعليمية، ومستوى إتقان الكفايات الأساسية لدى البنين أقل من البنات. ويعزو التشخيص ضعف أداء الطلبة إلى جملة أمور منها المناهج الدراسية التي تركز على المعرفة دون المهارات، بالإضافة إلى ضعف نوعية طرائق التدريس والتي وُصفت بأنها غير مشوقة بالنسبة للطلبة هذا إلى جانب ضعف تدريب المعلمين وإدارتهم.

كذلك أشار التشخيص إلى أن أداء الطلبة البحرينيين في الاختبار الدولي (TIMSS) للصف الثامن (الثاني الإعدادي) يأتي في المراتب المتأخرة أي دون المتوسط الدولي، وهناك فجوة بين الجنسين في الاختبار الدولي (TIMSS) لصالح البنات حيث حققت البنات نتائج أفضل من البنين.

وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي نصف طلبة جامعة البحرين يفشلون في مواصلة دراستهم للحصول على البكالوريوس خلال السنتين الأوليين.

وطرح مشروع التطوير جملة أسئلة تدور حول كيفية تحسين نوعية المعلم وتركيز المناهج، وتقويم الطلبة، وإدخال مهارات التفكير النقدي في المناهج بشكل أفضل، وإجراء اختبارات تقيس الكفايات التطبيقية وتيسر الشفافية والإدارة الموضوعية للمدارس الحكومية وما إذا كان على الوزارة الاكتفاء بالتركيز على رسم السياسات فقط وإعطاء الصلاحيات للجهات الأخرى لتقوم بعملية التنفيذ.. إلخ.

وكذلك طرح المشروع أسئلة عدة حول كيفية تعزيز متطلبات وشروط قياس أداء المدرسة بالمشاركة مع المعنيين بالتعليم، وتحديد معايير النظام التربوي بأكمله وقياس الأداء مقارنة بالمعايير الدولية.

ج- (مدارس المستقبل) في البحرين وسيلة لتطوير التعليم

وفي هذا الصدد جاء مشروع الملك حمد الخاص بمدارس المستقبل، وهو من أهم البرامج النوعية لتطوير التعليم وربطه بتقنية المعلومات، حيث يعطي مجالاً واسعاً لعمليات التعلم، ويهدف إلى إحداث نقلة نوعية في مسيرة التعليم والاستفادة القصوى من المعلوماتية ونظم التعليم الإلكتروني في مدارس البحرين، وجعلها أكثر قدرة وكفاءة على التعامل مع المستجدات، وأكثر استجابة لمتطلبات التنمية، وتلبية الاحتياجات المباشرة لسوق العمل، وتهيئة المواطن للولوج في مجتمع المعلومات الحديث والتعامل معه، وتحقيق متطلبات التحول إلى الاقتصاد القائم على المعرفة، وتحقيق جودة التعليم ورفع كفاءته، وتحقيق كفايات مناهج المواد الدراسية في كافة المراحل التعليمية، وتزويد الطلبة بقيم ومهارات التعلم الفردي والتعاوني والدافعية الذاتية والتعلم التفاعلي ومهارات حل المشكلات، بما في ذلك تنمية شخصية الطالب وتأهيله ليكون منتجاً للمعرفة وليس متلقياً لها، بالإضافة إلى عدد من المشروعات التطويرية الرائدة التي نفذتها مملكة البحرين في سعيها لتطوير منظومتها التعليمية.

مهما يكن من أمر، فتطوير المنظومة التربوية أضحى ضرورة وطنية، وحتمية تنموية، واتجاهاً دولياً عاماً في عالم سريع التغير، توحدت فيه الأسواق لا سيما سوق العمل، يعززه عدم الرضا عن مخرجات العملية التربوية، وعدم مواكبتها لمتطلبات العصر، وقصورها عن تلبية مقتضيات ومتطلبات خطط التنمية الشاملة في البلدان الثلاثة قطر والإمارات والبحرين، مما دفع كلاً منها إلى التطلع والبحث عن مشروع تطويري ينهض بمنظومتها التربوية، مع مراعاة الخلفيات الثقافية والخصوصية الدينية والثوابت الوطنية، ويفضي إلى تكوين رأسمال بشري عالي النوعية وفق مواصفات عالمية يكون مفتاحاً للتنمية ومحركاً لها على حد سواء.

د- التجربة السعودية -الكويتية

ويبدو أن الدول الصغيرة أقرب إلى سرعة التحرك وسهولته، ففي قطر التي يقل عدد مدارسها الحكومية عن 200 مدرسة في كل المراحل التعليمية، فإن الدولة التي تتدفق عليها المداخيل النفطية قادرة على التجريب وعلى التغيير الجذري لأسس التعليم.

في حين في المملكة العربية السعودية التي تأخرت فيها المبادرات كثيراً، وكانت أقل شمولاً، جرى الإعلان عن (مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم) في منتصف عام 2007، وهو مشروع ذو عناوين عامة ولا يتضمن خططاً تنفيذية، ومع ذلك فقد تمت الموافقة على المبلغ المرصود له (9 مليارات ريال، أي 2.3 مليار دولار خلال ست سنوات).

والحقيقة أن المشكلة في السعودية معقدة، ففي بلد يبلغ عدد طلاب مدارسه نحو 5 ملايين طالب، ويعاني فيه المعلمون أوضاعاً صعبة (راتب المدرس السعودي في المدارس الأهلية الخاصة 2000 ريال، أي 550 دولاراً، وتمنحهم الدولة 2000 ريال إضافية)، فإن أي محاولة للإصلاح ستكون محفوفة بمخاطر اقتصادية أولاً، ومخاطر اجتماعية ترتبط بقوة التيارات الدينية التي تنظر بحذر إلى إصلاح التعليم. وتوسيع تعليم اللغة الإنجليزية- مثلاً- يبدو هدفاً يتطلب خوض معارك كبيرة، وأي محاولة لتقييم المعلمين والتخلص من غير المؤهلين ستكون مثيرة للجدل.

وفي الكويت، ذات العوائد النفطية الضخمة، اعتمد مجلس الوزراء عام 2003 (استراتيجية تطوير التعليم 2005 ? 2025م)، وجرى الحديث عن مبادرات لتطوير التعليم غير مرة، لكن من دون ظهور مؤشرات على السعي إلى مقاربة مشكلات التعليم في عمقها، أو تطبيق تجارب شبيهة في الإمارات وقطر. ويبدو أن الواقع التعليمي في الكويت مثقل أكثر بالمواجهات الأيديولوجية الطابع، وتسيطر عليه قضايا من نوع الاختلاط بين الجنسين أكثر من الاهتمام بتفاصيله الفنية والسعي إلى تطويره.

وبصورة ما، يبدو أن التاريخ التعليمي الطويل (حالتا الكويت والسعودية) يجعل الميراث البيروقراطي عائقاً أمام إطلاق مبادرات جذرية، كذلك فإن السجال الأيديولوجي يحول دون طرح أفكار يحتاج إليها الواقع التعليمي بشدة. وعلى العموم فإن الدول الأصغر تبدو الأقدر في هذا المجال، لكن نتيجة للتطوير لا تزال رهن الغيب، وليست هناك قدرة على تقييم النجاح الذي حققته تجارب التطوير في قطر أو البحرين أو الإمارات. والحقيقة أن تجربة سابقة في دولة الإمارات قد انتهت إلى غير نتيجة، حيث اندثرت وتلاشت خطة 2020م التي تبنتها وزارة التربية والتعليم منذ عام 1999، ورصدت لها موارد كبيرة. لذلك ينبغي التعامل بحذر مع خطط التطوير، وانتظار النتائج الحقيقية لها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1200::/cck::
::introtext::

إن هدف التربية تنمية الفرد وتهيئته للمستقبل. والإعداد للمستقبل لا يمكن القيام به على الوجه الصحيح إلا من خلال تحديد احتياجات المجتمع وفهم التغيرات المتوقع حصولها، وتعريف العوامل المؤثرة فيها واستيعاب أبعادها وآثارها المحتملة، بما يساعد على رسم خيارات مناسبة للظروف والمواقف في المرحلة المقبلة في إطار قيم المجتمع ومبادئه وإمكاناته، وبما يوفر مرونة كافية في الحركة أمام مخططي السياسات ومتخذي القرارات، ويتيح فرصة للتكيف مع متغيرات المستقبل أمام المنفذين والممارسين في الميدان.

 

::/introtext::
::fulltext::

إن هدف التربية تنمية الفرد وتهيئته للمستقبل. والإعداد للمستقبل لا يمكن القيام به على الوجه الصحيح إلا من خلال تحديد احتياجات المجتمع وفهم التغيرات المتوقع حصولها، وتعريف العوامل المؤثرة فيها واستيعاب أبعادها وآثارها المحتملة، بما يساعد على رسم خيارات مناسبة للظروف والمواقف في المرحلة المقبلة في إطار قيم المجتمع ومبادئه وإمكاناته، وبما يوفر مرونة كافية في الحركة أمام مخططي السياسات ومتخذي القرارات، ويتيح فرصة للتكيف مع متغيرات المستقبل أمام المنفذين والممارسين في الميدان.

في مطلع القرن الحادي والعشرين تقف البشرية على عتبات عصر جديد، تبدو بعض ملامحه واضحة من خلال سرعة وتيرة التغيير، وتفجر المعرفة الإنسانية والتقدم المذهل في الاتجاهات العلمية وتطبيقاتها في مجالات تقنية المعلومات والفضاء الخارجي والتقنيات الحيوية (البيولوجية) وتقنيات الإنتاج، كما تبدو بعض ملامحه الأخرى من خلال العولمة وما ينتج عنها من زوال حواجز طول المسافات وبعد الأمكنة، وتأثير ذلك في النظم السياسية والاجتماعية وفي الثقافات والقيم الانسانية، والتنافس المحموم على الموارد والأسواق وما يسببه من تحديات كبيرة أمام اقتصاد الدول النامية ومعدلات التنمية فيها، بالإضافة إلى التحديات التي قد تتزايد ضغوطها أمام الدول الأعضاء مستقبلاً، ومن أبرزها انعكاسات معدلات النمو السكاني العالية على التنمية فيها، ومشكلات التمويل بسبب تذبذب أسعار النفط وتوقع نضوبه من بعض هذه الدول قريباً. ووسط كل هذه المتغيرات تتطلع هذه الدول إلى المستقبل، تحمل معها أمانات كبرى، أبرزها:

* الدفاع عن أمنها واستقلالها وسيادتها وكيانها الموحد ومصالحها المشتركة وانتمائها العربي الإسلامي الأصيل.

* صيانة المكتسبات الحضارية التي حققتها خلال فترة تاريخها الحديث، وزيادة معدلات التنمية في المستقبل لضمان استمرار التقدم والازدهار لمجتمعاتها.

* الاستثمار الأمثل لثروتها البشرية بما يؤدي إلى تحقيق التنمية الشاملة المستدامة.

* الحفاظ على ثقافة عريقة مستمدة من هدي الإسلام وتعاليمه الداعية إلى عبادة الخالق الواحد سبحانه وتعالى على بصيرة، وإلى إعمار الكون والتعارف بين الأمم، والتعاون على البر والخير ونبذ الفرقة والنزاع والخلاف، وتنمية هذه الثقافة المجيدة والتعريف بها.

* الإسهام في استمرار التقدم والرخاء في العالم عن طريق إمداده بمصادر الطاقة، عصب الاقتصاد في العالم.

* الإسهام بفاعلية في الفكر العالمي والإبداع العلمي والتطور التقني وازدهار العلم والاقتصاد والثقافة والحضارة على مستوى العالم.

* المحافظة على السلام والعدل والاستقرار والرخاء في المنطقة والعالم بمحاربة أسباب العدوان والإرهاب والتخلف.

ومن جهة أخرى فإن دول الخليج الصاعدة والطموحة، وخاصة الدول الصغيرة التي ارتفعت مداخيلها وتطور اقتصادها بسرعة (قطر والبحرين)، وجدت الفرصة سانحة للانخراط بالسعي نحو تحقيق مكانة متقدمة عالمياً، وتكوين صورة ذهنية مختلفة لها على المستوى الدولي، تلعب فيها التنمية والتطور الاقتصادي والتعليمي دوراً رئيسياً. لذا فإن تلبية متطلبات سوق العمل في بيئة دولية تنافسية كانت ضمن أهم أهداف خطط تطوير التعليم في هذه الدول الصغيرة.

وعليه ففي كل دول الخليج كانت هناك (مبادرات) أو (مشروعات) تحت أسماء مختلفة، وفي هذا الإطار أصبحت وزارات التربية والتعليم تعترف، في صراحة مثيرة للتساؤل والدهشة، بتدني الأداء التعليمي، وتتنافس على انتقاد ذاتها، وتتفق على الحاجة إلى التطوير.

وفي ضوء هذه الاعتبارات يبدو جلياً حاجة الدول الأعضاء الملحة إلى تعزيز تعاونها التربوي المشترك، بحيث يعنى بمستويات متقدمة من التطوير التربوي المبني على نتائج البحوث العلمية، وذلك لعدة أسباب من أهمها:

* كونها كياناً سياسياً موحداً في نطاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وما يقتضيه ذلك من ضرورة التخطيط الاستراتيجي في التعامل مع القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والأمنية.

* حاجتها الملحة إلى إدخال تطوير ذي نوعية عالية الجودة على نظام التربية والتعليم فيها باعتباره آلية رئيسية لبناء قدراتها الذاتية لتلبية مطالب التنمية في المرحلة المقبلة ومواجهة التحديات التي تواجهها مستقبلاً.

* حاجة الدول الست كافة إلى الاستعانة بخبرات عالية الكفاءة ونادرة التخصصات في بعض المجالات، للاستعانة بها في إحداث التطوير الشامل لأنظمتها التعليمية، مما يمثل هدراً في الطاقات جهداً ووقتاً ومالاً، لو انفردت كل دولة بمشروعاتها.

* مصلحة الدول كافة في استثمار الطاقات والموارد المشتركة بينها لخفض التكاليف المالية لمشروعات التطوير المتشابهة.

* مصلحة الدول كافة في قيام مشروعات كبرى مشتركة تجسد التعاون وتوحد الجهود وتستثمر الطاقات والخبرات المتوافرة في كل دولة.

وفي هذا السياق يمثل مشروع استشراف مستقبل العمل التربوي في الدول الأعضاء (والموضوع في ديسمبر 1998) في هذه الفترة بالذات قراراً حكيماً يستهدف رسم التوجهات الأساسية للتربية والتعليم في العقدين المقبلين، وتحديد آفاق العمل التربوي المشترك بين هذه الدول الشقيقة، في إطار استراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول مجلس التعاون (2000 ? 2025م). وأبرز ما جاء فيه.

(تحديد توجهات العمل المستقبلية التي يمكن أن تطرح خيارات مناسبة أمام الدول الأعضاء لتطوير نظمها التعليمية لتكون أكثر استجابة للاحتياجات المستجدة وللمتغيرات العالمية، وبخاصة في مجال التعاون التربوي فيما بينها، وذلك عن طريق الآتي:

* رصد أبرز ملامح واقع الأنظمة التعليمية في الدول الأعضاء والمشكلات المتشابهة بينها، وتعريف مشروعات التطوير التربوي الكبرى الرئيسة في تلك الدول.

* رصد المتغيرات الكبرى التي سيشهدها العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، والتي تؤثر مباشرة في التعليم في الدول الأعضاء.

* تحديد أولويات العمل التربوي المشترك لمستقبل التربية والتعليم بين الدول الأعضاء بالمكتب.

وقد تم تحديد الأطر العامة لاستشراف مستقبل العمل التربوي في الدول الأعضاء فيما يأتي:

1- يتمثل الاستشراف بكونه رؤية نقدية مستقبلية واعية للمتغيرات العالمية والمحلية في المجالات العلمية والاقتصادية وغيرها من مجالات الحياة، تؤدي إلى معرفة طبيعة التحديات المحتملة وتأثيراتها المباشرة على التربية، وتحديد الإمكانات الممكنة والخيارات المتاحة لمواجهة التحديات والتغلب على المعوقات، والتمكن من تطوير العمل التربوي بما يتناسب مع مطالب التنمية البشرية واستدامتها في المستقبل.

2- تتصف اتجاهات وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي بالشمولية والمرونة، بما يتيح أمام الدول الأعضاء قدراً كافياً من خيارات العمل التي يمكن ربطها بمطالب التنمية فيها بصورة متناسقة ومتكاملة.

3- تكتمل عملية استشراف مستقبل العمل التربوي بمشاركة المؤسسات المجتمعية في الدول الأعضاء ـ على اختلاف طبيعة عملها واختصاصاتها وإسهامها في تحديد اتجاهات تطوير العمل التربوي ـ وذلك للوقوف على الاحتياجات المتجددة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولتهيئة مؤسسات العمل والإنتاج في المجتمع لمخرجات التعليم مستقبلاً.

4- تكون نواتج استشراف مستقبل العمل التربوي ذات صيغة مشتركة تعكس اهتمامات الدول الأعضاء وتطلعاتها المستقبلية، وتعزز أواصر التعاون والعمل المشترك فيما بينها، استثماراً للطاقات وتوفيراً للجهود وتحقيقاً للأهداف والغايات المشتركة.

5- تفضي عملية استشراف مستقبل العمل التربوي إلى رؤية مستقبلية تساعد على وضع توجهات استراتيجية عامة لتطوير العمل التربوي، وإلى خطط عمل مرحلية مناسبة تنفذ بآليات محددة في فترات زمنية متتالية، تفصل برامجها ومشروعاتها وفق الحاجات المتجددة والظروف المتغيرة.

نماذج من عملية التطوير في دول الخليج العربية

بسبب التنافسية الشديدة التي انتظمت عالم اليوم، وما أفرزته ثورة الاتصالات والمعلوماتية، وما أحدثه الانفتاح الاقتصادي العالمي القائم على المعرفة من سباق محموم، وانعكاس كل ذلك على سوق العمل وعولمته، أضحت كافة دول العالم، بلا استثناء، بحاجة إلى نظام تعليمي حديث، يواكب هذه التغيرات، ويلبي الطموحات والتطلعات، ويخرج أجيالاً بمواصفات عالمية قادرة على العطاء، في عصر تلاشت فيه الحدود، وتزايد فيه الاعتماد المتبادل بين دول العالم.

وفي هذا السياق جاءت مبادرة تطوير التعليم بدولة قطر و(تعليم لمرحلة جديدة)، لتحقق ذات الأهداف في تناسق وتناغم مع مبادرات تطويرية أخرى شملت المنظومة التربوية في كثير من البلدان، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، هادفة إلى إحداث تعديلات جوهرية في نظم المناهج الدراسية والإدارة المدرسية والتقويم وتحسين مستوى أداء الطلاب.

حدث ذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودول أخرى عديدة في المنطقة. لقد وجدت المبادرة القطرية التقدير من المسؤولين عن التعليم في هذه الدول، لما انطوت عليه من أفكار مستنيرة، وما تضمنته من مبادئ ومرتكزات كالاستقلالية والمحاسبية والتنوع والاختيار مثلت في جوهرها قوة دفع ذاتي كفيلة بنجاح المبادرة وضمان استمراريتها. لقد حفلت المبادرات الأخرى بذات الأفكار والمبادئ، وعالجت القضايا ذاتها التي طرحتها المبادرة القطرية في سياقات مختلفة، كالإدارة المستقلة للمدارس، المحاسبية، وضوح الرؤية والشفافية.. إلخ.

لقد اعتمدت هذه المبادرات على معالجة التحديات التي واجهت التغيير الجديد، فثمة توافق في الآراء بين الباحثين والتربويين مؤداه عدم اعتبار التعليم كياناً حكومياً بأكمله، بيد أنه لا يمكن اعتباره كياناً خاصاً كذلك، لذا ظهر في أدبيات التربية الحديثة مفهوم الشراكة التربوية التي تزاوج بين أدوار كل الفاعلين في العملية التربوية، بما في ذلك الحكومة والقطاع الخاص وأولياء الأمور والطلاب والمعلمين والأسرة والمجتمع والوسائط الإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني وكل المهتمين بالعملية التربوية حتى يصبح التعليم مسؤولية الجميع.

كان التعليم – وما زال- هادفاً إلى تلقين الحقائق أكثر من تنمية المهارات أو القدرة على التفكير الخلاق الناقد، مرتبطاً بالتوسع الأفقي، مستخدماً المعايير الكمية في رصد مخرجاته من دون حصول تحسينات جوهرية في نوعية المهارات وتعزيزها، متسماً بتدني التحصيل المعرفي وقلة تراكمه، وضعف القدرة على التحليل والابتكار لدى الطلاب، مشوهاً نظام التفكير عند الناشئة، مقصراً عن الوفاء بمقتضيات ومتطلبات تطوير المجتمع حيث يصل الطلاب إلى مستويات متقدمة وهم غير مؤهلين للتعلم.

وفي هذا السياق اهتدت بعض الدول إلى إيجاد طرائق أفضل لقياس نوعية التعليم ومدى ملاءمته لواقعها وخصوصياتها، بما في ذلك تعديل السياسات وتغيير الأهداف والمقاصد التربوية، ووضع معايير واقعية لتقييم العملية التربوية موضع التنفيذ، والمساعدة على توجيه جهود المعلمين وتطويرها، وتعزيز المساءلة أو المحاسبية التربوية، وزيادة وعي الجمهور ودعمه للتعلم، واعتماد مبدأ التعليم التفاعلي الذي يعزز المشاركة بين المعلم والطالب وولي الأمر والأسرة. تعليم يسعى إلى إكساب المهارات اللازمة لعملية تعلم ذاتي ومتفاعل ومستمر مدى الحياة، ويفرز التفكير الإبداعي والابتكاري الناقد، ويعزز العمل الجماعي، وينمي الثقة بالذات، والقدرة على اتخاذ زمام المبادرة، وتحمل المسؤوليات، والوصول للمعلومات وعرضها وتحليلها وتوظيفها، والتفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى واحترامها، ويعظم الاستفادة من الاكتشافات الجديدة واستخدامها في تحسين الإنتاجية مما يفضي إلى رفاهية المجتمع برمته. فقد أضحى تطوير المنظومة التعليمية والارتقاء بها مجالاً وعنصراً مهماً في التنافسية الدولية ومدخلاً للاستقطاب العالمي في عالم يتسم بالمعرفة النوعية، توجهه وتتحكم في مساره العولمة بكل أدواتها وآلياتها وتجلياتها.

استجابة لهذه التحديات والمتغيرات ظهرت مبادرة تطوير التعليم العام في دولة قطر (تعليم لمرحلة جديدة)، مصطحبة معها كل المحاولات والجهود التربوية التي بذلت على المستوى الوطني والرامية لتطوير المنظومة التربوية مستأنسة بها ومستفيدة من معطياتها في آن واحد، بما في ذلك جهود خبراء منظمة اليونسكو لتقييم التعليم في قطر 1990، وجهود وزارة التربية والتعليم خلال عقد التسعينات وقبله، والمتمثلة في توصيات فرق العمل المختلفة المختصة والمؤتمرات والملتقيات العلمية ذات الصلة بهذا الشأن.

أ- الاستقلالية والمحاسبية والتنوع أهم مبادئ المبادرة القطرية

انطلقت المبادرة رسمياً في عام 2002م بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم، متفاعلة ومتكاملة مع المبادرات التطويرية الأخرى على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مرتكزة على أربعة مبادئ أساسية توجه مسارها هي:

الاستقلالية: وتعمل على تشجيع الإبداع والابتكار والارتقاء بتحسين أداء الطالب من خلال إنشاء ودعم مدارس مستقلة بتمويل مالي حكومي، تتمتع بحرية اختيار فلسفتها التربوية وطرق تدريسها ما دامت ملتزمة بالمعايير الجديدة لمناهج اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم.

المحاسبية: وتضع المدارس في موضع المسؤولية لقياس وتقويم مدى تعلم الطالب وتطوره ومدى تقدم أداء المدرسة.

التنوع: ويوفر بدائل تربوية متنوعة مع الالتزام بمعايير ثابتة لمستوى الأداء حيث الفرصة متاحة لأولياء الأمور والتربويين ورجال الأعمال وكل مهتم بالارتقاء بنوعية التعليم في التقدم للحصول على ترخيص لإنشاء مدرسة مستقلة لترجمة فلسفتهم التربوية.

الاختيار: ويمنح أولياء الأمور الفرصة والحق في اختيار المدارس التي تتناسب ورغبات أبنائهم وحثهم على الإسهام في القرارات المدرسية.

وهدفت المبادرة إلى تقديم تعليم عالي النوعية مستند إلى معايير تتفق والتوقعات الدولية لما يجب أن يتعلمه الطالب، ويمكن خريجي النظام التعليمي من الالتحاق بأرقى الجامعات في العالم، هذه المعايير تبين المهارات التي يتعين على المتعلم أن يكتسبها ويتقنها ويكون قادراً على توظيفها بكفاءة واقتدار بنهاية الصف الدراسي، كما أنها تضع تصوراً لما يجب أن تكون عليه الممارسة التعليمية في المدارس، بالإضافة لإعداد جيل متميز يتمتع بشخصية قوية متسلح بالعلم والمعرفة، وذلك بإنشاء مدارس مستقلة تعمل على تطوير قابلية التعلم لدى الطلاب من خلال تطبيق مجموعة من المناهج والمعايير المرتكزة على قواعد عالمية تعمل على تحفيز قدراتهم الابتكارية والتأكد من اكتساب الطلاب للمهارات الرئيسية مثل التفكير النقدي وحل المشكلات واتخاذ القرارات والإبداع والقدرة على استخدام التقنيات الحديثة والتواصل معها بفاعلية للوصول إلى أفضل المستويات العلمية التي تضارع المستويات العالمية، بالإضافة إلى تلبية احتياجات سوق العمل المحلية والعالمية، وإشراك أولياء الأمور في العملية التعليمية وتلبية طموحاتهم، وتنشئة مواطنين يشاركون بفاعلية في تنمية الوطن، وغيرها من الأهداف والمقاصد التي تطمح المبادرة إلى تحقيقها.

ولم تنس المبادرة- تعليم لمرحلة جديدة- علاقة منظومة التعليم بالسياق الاجتماعي والثقافي، مستفيدة من معطيات التجارب العالمية مع الحفاظ على الهوية والذاتية العربية والإسلامية، مركزة على دور التعليم الاجتماعي ووظيفته النهضوية في سياق الخصوصية الثقافية والثوابت الوطنية، مهتمة في هذا الشأن بسنوات الطفولة المبكرة ودورها الرائد في تشكيل وتخليق العقل البشري، وتحديد مدى قابلياته وإمكاناته وتنميتها، مدركة تمام الإدراك أن المعلم المقتدر المتحلي بالدافعية والطالب الذي يشعر بالرضا النفسي في ظل بيئة تربوية داعمة ومعززة للعطاء التربوي هما أفضل سبيل لإنجاح أي نظام تعليمي وتطويره وضمان استدامته.

مجالس الأمناء في قطر نموذج للإدارة المدرسية الحديثة

أعادت المبادرة توزيع الإشراف على المدارس بتجنب تركيز الصلاحيات كلها في أيدي أصحاب التراخيص أو مديري المدارس فوسعت من دائرة اتخاذ القرار وذلك بإشراك المجتمع في الإدارة المدرسية من خلال مجالس الأمناء التي تضم في عضويتها أولياء الأمور والهيئة التدريسية ومؤسسات التعليم والقطاع الخاص وممثلي المجتمع المحلي الأوسع والشخصيات ذات العطاء التربوي والعلمي، وذلك تحقيقاً لمفهوم الشراكة التربوية، وتعزيزاً للتعبئة العامة حتى يصبح التعليم مسؤولية مجتمعية وهمَّاً وطنياً. تعليم يجابه التحديات الراهنة ويستشرف المستقبل بكل اقتدار من خلال إيجاد وعي لدى الطلاب بطبيعة هذه التحديات وتوصيف الدور المنوط بهم كشركاء في صناعة الحاضر وتشكيله وكقادة للمستقبل، بما في ذلك فهم المتغيرات الكونية المتمثلة في العولمة والاقتصاد الحديث وقيمه وآليات عمله وممارساته وترابطاته واعتماده المتبادل وكيفية التعامل معه، كل ذلك يتم من خلال اكتساب المعرفة الإنسانية الحديثة وتطويرها وتوطينها وتكييفها ونشرها واكتساب المهارات التحليلية التي تتصل بحل المشكلات وضمان العيش الكريم في عالم سريع التغير.

كما توجد هنالك مبادرة (تعليم لمرحلة جديدة)، التي يرعاها المجلس الأعلى للتعليم (أنشئ عام 2002)، وهناك تجربة المدارس المستقلة، التي تقوم على منح المدارس صلاحيات كبيرة وإنهاء السيطرة المركزية عليها، وتطوير مناهجها وأساليب التعليم فيها. ومن المستهدف أن تصبح كل مدارس قطر مدارس مستقلة خلال السنوات المقبلة.

وعلى المستوى الإقليمي قامت بعض البلدان العربية بتبني مشروعات تطويرية شملت منظومتها التربوية منها على سبيل المثال دولة الإمارات العربية المتحدة، هادفة إلى بناء نظام تعليمي جديد وذلك لتخريج أجيال مستنيرة قادرة على خوض مسار التعليم العالي بنجاح، ومستعدة للتعامل بكفاءة مع متطلبات العصر، بل مؤهلة لتحمل المسؤوليات التي تتطلبها خطط التنمية الشاملة في كافة المجالات، وذلك من خلال تطوير معايير تربوية بدرجة عالمية مناسبة للإمارات العربية المتحدة، والانتقال إلى بيئة تعلم متمحورة حول الطالب، وإعادة تنظيم النظام التربوي مع زيادة جوهرية في السلطة والمسؤولية والمؤهلات والقابلية للمحاسبة في المدارس ووضعها في محور الإصلاح التربوي، ودمج التكنولوجيا مع التعلم وتوظيفها لإدارة ومحاسبة النظام التربوي، وتطبيق برنامج ملح لترقية وإعادة بناء وتجهيز أبنية المدرسة، ومراجعة التوظيف والمكافآت والتطوير الحرفي، ووضع برامج تقويم للمعلمين والمديرين والحرفيين في المدارس ومراجعتها بصورة دورية، وزيادة الاستثمار العام والقابلية للمحاسبة زيادة جوهرية من أجل نجاح المدرسة وتعزيز دورها.

وفي دولة الإمارات هناك (مدارس الشراكة ومدارس الغد والمدارس النموذجية) (بدأت محاولات التطوير في الإمارات مبكراً عام 1999 مع خطة (2020)، وتواصلت بعد ذلك بصورة مستمرة)، كما تشكلت مجالس للتعليم في إمارات الدولة تبذل جهوداً متنوعة وتنفذ خططاً لتطوير التعليم بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم. وفي مملكة البحرين هناك (مدارس المستقبل) (أنشئت عام 2004) وجرى مؤخراً إطلاق (المشروع الوطني لتطوير التعليم والتدريب) (ومديره التنفيذي خبير استرالي هو مارتن فورست). وجميع هذه التجارب الخليجية تقوم على فكرة إنشاء مدارس ذات مستوى راق، تتوافر لها الإمكانات اللازمة لتحقيق مخرجات تعليمية عالية المستوى.

وفي كل هذه المدارس يحتل التعليم باللغة الإنجليزية مكاناً شديد الخصوصية. وتعليم الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية يحظى بأولوية مطلقة في خطط الإمارات وقطر، في حين تبدو التقنية ملمحاً بارزاً في التجربة البحرينية. وهناك حضور ملحوظ في الدول الثلاث للخبراء الأجانب، وبيوت الخبرة العالمية، كما أن تجارب الدول التي حققت نجاحاً تعليمياً ملحوظاً، مثل سنغافورة وكندا ونيوزيلندا، توضع نصب الأعين، وترد كثيراً في الخطاب التربوي الرسمي، مع السعي إلى تنفيذ برامج مشتركة مع هذه الدول أو استنساخ تطبيقاتها.

ب- المبادرة الإماراتية وضعت الطالب في قلب العملية التربوية

يلاحظ أن أهم سمات المشروع الإماراتي التركيز على الطالب الذي يستهدفه التطوير، حيث جاء التأكيد على أن إصلاح التعليم والوصول إلى نظام تعليمي فعال لا يمكن له أن يتحقق من دون جعل الطالب محوراً للعملية التعليمية.

وفي هذا الصدد يشدد المشروع على أن التطوير المنشود سيلبي تطلعات دولة الإمارات العربية المتحدة في الوصول إلى اقتصاد متنوع، ويعزز مساهمتها في الثورة التكنولوجية التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، وذلك من خلال تطوير معايير تربوية وفق أسس عالمية، وإقرار نظام حديث للمباني التعليمية، وتهيئة البيئة التعليمية وتزويدها بالبنية التحتية المناسبة من الإنترنت وتقنية المعلومات، وإقرار كادر خاص بالمعلمين والعاملين في التربية والتعليم ورفع مكانة المعلم، وتطوير شامل لقطاع التعليم الخاص وفق أطر قانونية. ولما كان هدف النظام التربوي الجديد تلبية الطلاب لمعايير تعلم عالمية رأت دولة الإمارات العربية المتحدة أنه لا بد من تحديد تلك المعايير، وأن تكون هناك وسيلة لتقويم تعلم الطلاب وتحسين التدريس ومعرفة كيفية عمل النظام بصورة جيدة.

ويذكر المشروع أن تطوير المعايير والمنهاج سوف يتم بمشاركة خبراء دوليين مستفيدين من أعمال الجمعيات المحترفة في الميادين الأكاديمية إلى جانب المشاركة المحلية، ويطور التقويم كذلك باستخدام الخبرة الدولية لضمان قدرة الاختبارات على توفير تغذية مستمرة تكفل نجاح النظام التربوي، كما يتسم المشروع الإماراتي بالقابلية للمحاسبة ومشاركة أولياء الأمور في المدارس، إذ إن نظام التقويم لقياس مدى تعلم الطالب عنصر مهم في أي نظام ليضمن أن نظام التربية مطالب ومساءل أمام المجتمع، وأن يتم تطوير نظام لتقويم أداء المدرس، بالإضافة إلى عناصر أخرى في نظام القابلية للمحاسبة، تشمل تطوير بطاقات تقرير المدرسة التي تبين دور كل مدرسة في تطبيق التطوير وفق أطر زمنية، وتشجع التحسين في الأداء، وتزود الآباء بمعلومات وفق أطر زمنية حديثة عن مدارس أطفالهم، وتعكس مشاركة الآباء في هذا الشأن أهمية الدور الذي يلعبونه في رصد ومتابعة تعلم أبنائهم.

ويقوم المشروع على تفعيل دور المدرسة بحيث تصبح أساساً لعملية التطوير، ويتاح لمديرها وكافة المعلمين فيها الفرصة لأخذ المبادرات المطلوبة وتطويع الممارسات التعليمية الجيدة وذلك في إطار من اللامركزية والاستقلالية وتحمل المسؤولية.

ويشير المشروع إلى أن النجاح في النظام المقترح يعتمد على تغيير نظام التوظيف من خدمة مدنية إلى نظام احترافي على أساس تعاقدي لكل الموظفين. ومقابل تولي المسؤوليات الأكبر في هذا النظام يتلقى المحترفون رواتب أعلى وتطويراً حرفياً طوال الخدمة وفرصاً إضافية للإبداع والإنجاز.

ولم تكن مملكة البحرين بمنأى عن زخم الإصلاح والتطوير الذي طال المنظومة التربوية، فيشير ملخص نتائج تشخيص النظام التعليمي الحكومي والذي اقتبسنا بعض معطياته من مشروع تطوير التعليم والتدريب في مملكة البحرين إلى أن أداء مخرجات النظام التعليمي في المملكة أقل من مستوى الدول المجاورة، ومستوى إتقان الكفايات في المواد الدراسية الأساسية (اللغتان العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم) أقل من المتوقع في كافة المراحل التعليمية، ومستوى إتقان الكفايات الأساسية لدى البنين أقل من البنات. ويعزو التشخيص ضعف أداء الطلبة إلى جملة أمور منها المناهج الدراسية التي تركز على المعرفة دون المهارات، بالإضافة إلى ضعف نوعية طرائق التدريس والتي وُصفت بأنها غير مشوقة بالنسبة للطلبة هذا إلى جانب ضعف تدريب المعلمين وإدارتهم.

كذلك أشار التشخيص إلى أن أداء الطلبة البحرينيين في الاختبار الدولي (TIMSS) للصف الثامن (الثاني الإعدادي) يأتي في المراتب المتأخرة أي دون المتوسط الدولي، وهناك فجوة بين الجنسين في الاختبار الدولي (TIMSS) لصالح البنات حيث حققت البنات نتائج أفضل من البنين.

وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي نصف طلبة جامعة البحرين يفشلون في مواصلة دراستهم للحصول على البكالوريوس خلال السنتين الأوليين.

وطرح مشروع التطوير جملة أسئلة تدور حول كيفية تحسين نوعية المعلم وتركيز المناهج، وتقويم الطلبة، وإدخال مهارات التفكير النقدي في المناهج بشكل أفضل، وإجراء اختبارات تقيس الكفايات التطبيقية وتيسر الشفافية والإدارة الموضوعية للمدارس الحكومية وما إذا كان على الوزارة الاكتفاء بالتركيز على رسم السياسات فقط وإعطاء الصلاحيات للجهات الأخرى لتقوم بعملية التنفيذ.. إلخ.

وكذلك طرح المشروع أسئلة عدة حول كيفية تعزيز متطلبات وشروط قياس أداء المدرسة بالمشاركة مع المعنيين بالتعليم، وتحديد معايير النظام التربوي بأكمله وقياس الأداء مقارنة بالمعايير الدولية.

ج- (مدارس المستقبل) في البحرين وسيلة لتطوير التعليم

وفي هذا الصدد جاء مشروع الملك حمد الخاص بمدارس المستقبل، وهو من أهم البرامج النوعية لتطوير التعليم وربطه بتقنية المعلومات، حيث يعطي مجالاً واسعاً لعمليات التعلم، ويهدف إلى إحداث نقلة نوعية في مسيرة التعليم والاستفادة القصوى من المعلوماتية ونظم التعليم الإلكتروني في مدارس البحرين، وجعلها أكثر قدرة وكفاءة على التعامل مع المستجدات، وأكثر استجابة لمتطلبات التنمية، وتلبية الاحتياجات المباشرة لسوق العمل، وتهيئة المواطن للولوج في مجتمع المعلومات الحديث والتعامل معه، وتحقيق متطلبات التحول إلى الاقتصاد القائم على المعرفة، وتحقيق جودة التعليم ورفع كفاءته، وتحقيق كفايات مناهج المواد الدراسية في كافة المراحل التعليمية، وتزويد الطلبة بقيم ومهارات التعلم الفردي والتعاوني والدافعية الذاتية والتعلم التفاعلي ومهارات حل المشكلات، بما في ذلك تنمية شخصية الطالب وتأهيله ليكون منتجاً للمعرفة وليس متلقياً لها، بالإضافة إلى عدد من المشروعات التطويرية الرائدة التي نفذتها مملكة البحرين في سعيها لتطوير منظومتها التعليمية.

مهما يكن من أمر، فتطوير المنظومة التربوية أضحى ضرورة وطنية، وحتمية تنموية، واتجاهاً دولياً عاماً في عالم سريع التغير، توحدت فيه الأسواق لا سيما سوق العمل، يعززه عدم الرضا عن مخرجات العملية التربوية، وعدم مواكبتها لمتطلبات العصر، وقصورها عن تلبية مقتضيات ومتطلبات خطط التنمية الشاملة في البلدان الثلاثة قطر والإمارات والبحرين، مما دفع كلاً منها إلى التطلع والبحث عن مشروع تطويري ينهض بمنظومتها التربوية، مع مراعاة الخلفيات الثقافية والخصوصية الدينية والثوابت الوطنية، ويفضي إلى تكوين رأسمال بشري عالي النوعية وفق مواصفات عالمية يكون مفتاحاً للتنمية ومحركاً لها على حد سواء.

د- التجربة السعودية -الكويتية

ويبدو أن الدول الصغيرة أقرب إلى سرعة التحرك وسهولته، ففي قطر التي يقل عدد مدارسها الحكومية عن 200 مدرسة في كل المراحل التعليمية، فإن الدولة التي تتدفق عليها المداخيل النفطية قادرة على التجريب وعلى التغيير الجذري لأسس التعليم.

في حين في المملكة العربية السعودية التي تأخرت فيها المبادرات كثيراً، وكانت أقل شمولاً، جرى الإعلان عن (مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم) في منتصف عام 2007، وهو مشروع ذو عناوين عامة ولا يتضمن خططاً تنفيذية، ومع ذلك فقد تمت الموافقة على المبلغ المرصود له (9 مليارات ريال، أي 2.3 مليار دولار خلال ست سنوات).

والحقيقة أن المشكلة في السعودية معقدة، ففي بلد يبلغ عدد طلاب مدارسه نحو 5 ملايين طالب، ويعاني فيه المعلمون أوضاعاً صعبة (راتب المدرس السعودي في المدارس الأهلية الخاصة 2000 ريال، أي 550 دولاراً، وتمنحهم الدولة 2000 ريال إضافية)، فإن أي محاولة للإصلاح ستكون محفوفة بمخاطر اقتصادية أولاً، ومخاطر اجتماعية ترتبط بقوة التيارات الدينية التي تنظر بحذر إلى إصلاح التعليم. وتوسيع تعليم اللغة الإنجليزية- مثلاً- يبدو هدفاً يتطلب خوض معارك كبيرة، وأي محاولة لتقييم المعلمين والتخلص من غير المؤهلين ستكون مثيرة للجدل.

وفي الكويت، ذات العوائد النفطية الضخمة، اعتمد مجلس الوزراء عام 2003 (استراتيجية تطوير التعليم 2005 ? 2025م)، وجرى الحديث عن مبادرات لتطوير التعليم غير مرة، لكن من دون ظهور مؤشرات على السعي إلى مقاربة مشكلات التعليم في عمقها، أو تطبيق تجارب شبيهة في الإمارات وقطر. ويبدو أن الواقع التعليمي في الكويت مثقل أكثر بالمواجهات الأيديولوجية الطابع، وتسيطر عليه قضايا من نوع الاختلاط بين الجنسين أكثر من الاهتمام بتفاصيله الفنية والسعي إلى تطويره.

وبصورة ما، يبدو أن التاريخ التعليمي الطويل (حالتا الكويت والسعودية) يجعل الميراث البيروقراطي عائقاً أمام إطلاق مبادرات جذرية، كذلك فإن السجال الأيديولوجي يحول دون طرح أفكار يحتاج إليها الواقع التعليمي بشدة. وعلى العموم فإن الدول الأصغر تبدو الأقدر في هذا المجال، لكن نتيجة للتطوير لا تزال رهن الغيب، وليست هناك قدرة على تقييم النجاح الذي حققته تجارب التطوير في قطر أو البحرين أو الإمارات. والحقيقة أن تجربة سابقة في دولة الإمارات قد انتهت إلى غير نتيجة، حيث اندثرت وتلاشت خطة 2020م التي تبنتها وزارة التربية والتعليم منذ عام 1999، ورصدت لها موارد كبيرة. لذلك ينبغي التعامل بحذر مع خطط التطوير، وانتظار النتائج الحقيقية لها.

::/fulltext::
::cck::1200::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *