إيران: تقهقر داخلي وتوجس دولي (3-3)

::cck::798::/cck::
::introtext::

نشر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في سلسلة (تقييم استراتيجي)، 2004،  ص 183-196 الذي يصدره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وقام  مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في سلسلة ترجمات خليجية (العدد السابع ص51- 65).

 

::/introtext::
::fulltext::

نشر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في سلسلة (تقييم استراتيجي)، 2004،  ص 183-196 الذي يصدره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وقام  مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في سلسلة ترجمات خليجية (العدد السابع ص51- 65).

 من خلال تطور مسيرة برامج الصواريخ الإيرانية يمكن للأطراف الخارجية والمراقبين أن يستخلصوا حقيقة مهمة، مفادها أن السلطات الإيرانية تمكنت وعلى الرغم من الضغوط الدولية المتزايدة من ترك الباب مفتوحاً أمام مسألة مواصلة تطوير الأسلحة النووية أيضاً. لكن من المهم في الجانب الآخر القول إنه وحتى إذا استطاعت إيران تحقيق تقدم ملحوظ في مجال تطوير برامجها النووية فإن قدرتها على تطوير صواريخ نووية ستواجه بعض الصعوبات على المدى القصير، إذ إن الجيل الأول من الرؤوس النووية التي يمكن أن يكون بمقدور إيران الحصول عليها واستخدامها تتميز بأنها ثقيلة الوزن، بحيث يصعب على صواريخ (شهاب 3) حملها، لذلك فهي على الأقل ستحدّ من الخيارات اللازمة لإنجاح جهود زيادة مدى الصواريخ الإيرانية. ويبقى الاحتمال الوحيد في هذا الإطار هو أن تكون العلاقات النووية السابقة التي كانت تربط بين إيران وباكستان قد مكنت إيران من الحصول على التكنولوجيا اللازمة التي تمكِّنها من تطوير برامجها النووية.

ويدور حالياً جدل كبير داخل الدوائر الإيرانية المختلفة حول مسألة تطوير أسلحة نووية. فعلى الرغم من أن المحافظين المسيطرين على المؤسسة الدينية يشكلون العقبة الكبرى أمام مسألة تطوير العلاقات الدبلوماسية بين الإسلام والغرب فإن هناك كثيراً منهم ممن يشككون في جدوى المضي في طريق التسلح النووي، أكثر مما يفعل الإصلاحيون.

وينطلق المؤيدون لمسألة الاستمرار في برامج التسلح النووي من خمسة منطلقات وآراء مختلفة. فبالنسبة لأصحاب الرأي الأول فإنهم يستندون إلى ما تضمنته معاهدة نزع الأسلحة النووية من حقوق ومسؤوليات بالنسبة للدول الموقعة عليها. ويقول أصحاب هذا الرأي إن إيران لم تنتهك مطلقاً بنود وشروط المعاهدة، بل على العكس يجب عليها الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من المميزات القانونية التي توفرها تلك المعاهدة والمتمثلة في حق الحصول على تكنولوجيا نووية لأغراض سلمية. ويجد هذا الرأي معارضة جارفة لأسباب تتعلق بالتكلفة، إذ إن تكلفة البحوث والعمليات المتعلقة بتطوير البرامج النووية كبيرة للغاية، وهي تسبب إرهاقاً غير ضروري للخزينة الإيرانية. وتبرز المخاوف البيئية أيضاً كعامل مهم ضمن المبررات التي يعتمد عليها المعارضون لمبدأ الاستمرار والتوسع.

أما المجموعة الثانية المؤيدة للاستمرار في برامج التسلح النووي فيرون أنه ومن أجل أن تتمكن إيران من لعب دور رئيسي في المنطقة لا بد لها أن تظهر قوية، وأن تبرز كقوة إقليمية لديها أبحاثها وبرامجها النووية التي تجعل مختلِف الأطراف تضع لها ألف حساب حتى إن لم تعمل على تحويل برامجها وأبحاثها إلى أسلحة نووية حقيقية. ويستدل أصحاب هذا الرأي بموقف دول مثل باكستان والهند وكوريا الشمالية، وهي كلها تمتلك برامج وقدرات نووية قوية جعلتها تتحصن ضد أي اعتداءات أمريكية. وفي المقابل يرى المعارضون لهذه الرؤية أن تجربتي الاتحاد السوفييتي السابق وكوريا الشمالية أثبتتا ليس محدودية الإيجابيات والمحصلات التي يمكن الحصول عليها من برامج البحوث النووية فقط، بل أظهرتا بشكل جلي أيضاً أن أي تقدم في هذا المجال سيكون على حساب القطاع المدني. من هنا فإنه من المتوقع ألاّ تستطيع إيران تحمل تكلفة البحوث النووية. ويستند أصحاب الرأي الثالث إلى أسباب تتعلق بعدم الأمن السياسي  الجغرافي.

ويقود هذا الرأيَ عدد كبير من النافذين داخل معسكري المحافظين والإصلاحيين، ويعتقدون أن إيران توجد في محيط غير آمن تشوب علاقاتِ دوله حالةٌ من عدم الثبات والشكوك. لذلك فهم يرون أن الضرورة الاستراتيجية تستدعي من إيران تطوير برامج نووية، خصوصاً أن دولتين من دول الجوار الجغرافي، وهما باكستان وإسرائيل تمتلكان قدرات نووية ضخمة. لكن المعارضين لهذه الفرضية يرون أن إيران ونظراً لزوال الخطر العراقي لم تعد تواجه خطراً حقيقياً. ويدعم أصحاب هذه الفرضية موقفهم بالقول إنه حتى في ظل الظروف الدولية السابقة لم تتعرض الحدود الإيرانية للاختراق إلا مرة واحدة، وذلك خلال الحرب مع العراق، والتي استمرت من (1980-1988). وانطلاقاً من هذه الأسباب فهم يرون أن المبررات الأمنية ضعيفة ولا تستدعي من إيران السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، قد يؤدي الحصول عليها إلى جر الأطراف المختلفة في المنطقة إلى الدخول في سباق تسلح نووي محموم تجد مخاطره المتوقعة اعترافاً حتى من أكثر المؤيدين للمعسكر النووي. ويربط أصحاب الرأي الرابع بين البعدين الإقليمي والدولي للأمن القومي الإيراني، ويرون أن إيران إذا لم تمتلك أسلحة نووية فإنها ستكون عرضة للاختراقات والتهديدات الخارجية، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة. لكن المعارضين لهذه الرؤية يستبعدون فرضية أن تشكل مسألة تملك ترسانة نووية دافعاً نحو تغيير سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران أو أن يؤدي الخوف من الترسانة النووية الإيرانية بعد تملكها إلى إرغام دول المنطقة الأخرى على الإذعان للإرادة الإيرانية.

ويمضي بعض مستشاري خاتمي من المعارضين لمبدأ التسلح النووي إلى أبعد من ذلك، حيث يرون أن سعي إيران إلى تملك أسلحة نووية سيؤثر سلباً في علاقاتها الدولية، خصوصاً مع روسيا ويتخوفون كذلك من أن يؤدي الأمر إلى دفع المغامرين في الأوساط السياسية الإيرانية إلى جر البلاد نحو صراعات دولية تعرض علاقاتها للخطر. وينطلق أصحاب المعسكر الخامس والأخير من فكرة الربط بين البرامج النووية وتحقيق مصالح اقتصادية للبلاد، حيث يرون أن إطلاق العنان للباحثين والخبراء الإيرانيين وإعطاءهم قدراً كافياً من الحرية في مجال إجراء البحوث النووية والتكنولوجية من شأنهما أن يؤديا إلى بناء عدد من محطات الطاقة النووية التي ستؤدي بدورها إلى تأمين طاقة مستقبلية كافية، وبالتالي تقليص الاعتماد على الطاقة المستوردة. ومثلما كان للآراء الأربعة السابقة معارضوها فهنالك مجموعة تعارض هذا الرأي أيضاً، وتستند في معارضتها إلى التكلفة الضخمة التي تتطلبها عملية البدء في مشروعات الطاقة النووية وأبحاثها، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة تسييرها وصيانتها. ويرى هؤلاء المعارضون أيضاً أنه وبالنظر إلى الكميات الضخمة من النفط والغاز التي تمتلكها إيران سيكون من الصعب إقناع المجتمع الدولي بأن السبب وراء التحول نحو تملك التكنولوجيا النووية يرتبط بشكل أساسي بالحاجة إلى توفير مصادر إضافية للطاقة.

وانطلاقاً مما سبق يمكن القول إنه ليست هنالك من مؤشرات تدل على التوصل إلى خلاصة أو نهاية محددة في الجدل الدائر حالياً حول البرنامج النووي الوطني في إيران. ومن المؤكد أن المحصلات والنتائج التي يمكن أن يسفر عنها ذلك الجدل ستتوقف بشكل أساسي على وضعية موازين القوى الداخلية، بالإضافة إلى ردة فعل القوى الغربية تجاه الطموحات النووية الإيرانية.

وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد استندت في قرارها الصادر ضد إيران في الثالث عشر من مارس 2004 إلى ما وصفته بعدم احتواء الإعلان الصادر عن السلطات الإيرانية في أكتوبر 2003 على صورة كاملة لماضي وحاضر برامجها النووية، وعدم ارتقائه إلى المستوى المطلوب بناءً على قرار مجلس أمناء الوكالة الصادر في نوفمبر 2003. وعبرت الوكالة بشكل خاص عن قلقها تجاه الطريقة المتقدمة التي استخدمتها إيران في عملية تصميم أحد أجهزة الطرد المركزي وتجاه مسألة تملكها لقدرات تخصيب نووي متقدمة. كما كانت مسألة تملك أنظمة خلايا ساخنة في مراكز أبحاث المياه من الأشياء التي زادت من قلق الوكالة الدولية. لكن القرار تضمن كثيراً من الجوانب الإيجابية التي سدت الطريق أمام محاولات الولايات المتحدة جر المسألة إلى دهاليز مجلس الأمن الدولي، ومن بين الجوانب الإيجابية المهمة التي تضمنها القرار الإشادة بتعاون إيران مع الجهود الدولية. وما بين اللهجتين المتشددة واللينة بدأت القيادات ودوائر القرار في إيران تعبر علناً عن إحساسها بتعرض البلاد لظلم شنيع، وتزامن ذلك مع دعوات صريحة أطلقها قادة الحرس الثوري تطالب بانسحاب إيران من معاهدة حظر انتشار التسلح النووي. لكن تلك الأصوات والدعوات سرعان ما هدأت بفعل رجحان كفة الرأي الداعي إلى ضرورة استمرار التزام إيران بالاتفاقية التي تم التوصل إليها مع المجموعة الوزارية التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي أصبحت تشكل عنصر حماية قوياً بالنسبة لإيران في علاقتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بقي أن نقول إن إيران تعتقد بثقة كبيرة أنها لا تزال بعيدة كل البعد عن مسألة تحقيق قدرات نووية فاعلة وتحتاج إلى سنوات عديدة حتى تتمكن من ذلك. من هنا فإنه ليس من المتوقع أن تصعد واشنطن قضية الملف النووي الإيراني أو توصلها إلى مرحلة الأزمة على المديين القصير والمتوسط. وفي الوقت الحالي يبقى الخيار الواقعي الوحيد المتاح أمام الولايات المتحدة هو العمل على ضمان مواصلة الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية ضغوطهما على إيران وحثها على الالتزام بتعهداتها والتزاماتها التي نصت عليها معاهدة منع انتشار التسلح النووي. ومن المرجح أن تكتفي الولايات المتحدة بإدانتها الشفهية لطهران وبدورها كعنصر ضاغط في إطار المنهجية المزدوجة الحالية التي يتبناها حلف الأطلسي في التعامل مع إيران، والتي تجمع بين عنصري الضغط والمرونة. لكن إذا ما ثبت مرة أخرى انتهاك إيران لمعاهدة انتشار الأسلحة النووية أو إذا ما استأنفت برامج تخصيب اليورانيوم فإن الضغط الأمريكي سيزداد.

ضغط من الجهات كافة

إذا كانت حرب العراق قد أسهمت بشكل قوي في إحداث انقسامات واضحة بين الحلفاء الغربيين فقد توحدوا والتقوا حول القضايا المرتبطة بإيران، بما في ذلك القلق من علاقتها بالمجموعات الإرهابية ومسألة برامجها النووية ومعارضتها لمشروع (خريطة الطريق) كمنهجية لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بالإضافة إلى تعثر مسيرة الإصلاحات الداخلية وقضية حقوق الإنسان وتدخلها في الشأنين العراقي والأفغاني.

وعلى الرغم من أن إيران تتدخل بشكل واضح في الشأن العراقي أو الأفغاني في أعقاب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة هناك، ودعمها ومساعدتها لجهود الحلفاء الغربيين في الحرب ضد الإرهاب وتتبعها لعناصر القاعدة الفارين إلى داخل أراضيها، وتخفيفها للهجتها المعارضة لمشروع خريطة الطريق، لا تزال تتعرض لضغوط مشتركة من قبل الحلفاء الغربيين بسبب ملف أسلحة الدمار الشامل وتعاونها الوثيق مع حزب الله اللبناني وسوريا ورفضها تقديم كشف كامل ببرامجها النووية.

من الواضح أن إيران كانت تتوقع الاتهامات والجفوة الأمريكية، وأعدت نفسها جيداً للتعامل معها. لكن ما أربكها حقيقة هو الارتياب والشك اللذان وجدتهما من جانب الأوروبيين، وظلت طهران طوال عام 2003 مهتمة بالمخاوف الأوروبية الصريحة حول سياساتها الداخلية. وفي ظل تلك الوضعية بدأ بعض المسؤولين الإيرانيين في التعبير علناً عن شكوكهم في جدوى فاعلية ونجاح منهجية تفضيل الاتحاد الأوروبي وإعطائه الأولوية في السياسة الخارجية الإيرانية. وبدأت ترتفع أصوات داخل معسكر المحافظين تقارن بين السياسة الأمريكية تجاه إيران وسياسة الاتحاد الأوروبي وتضعهما في خانة واحدة. ويرى أصحاب هذا الرأي أنه إذا ما أراد الأوروبيون محاكاة السياسة الأمريكية تجاه إيران ولم يستطيعوا أن يشكلوا البديل المناسب للإيرانيين، فإن الأحرى بإيران أن تتعامل بشكل مباشر مع الولايات المتحدة من دون الحاجة إلى الوسيط الأوروبي.

لكن في الجانب الآخر كانت الرؤية الرسمية الإيرانية أكثر تعاطفاً مع الموقف الأوروبي، لذلك فقد بقيت أوروبا في أعلى قائمة اهتمامات وأولويات الدبلوماسية الإيرانية، ومن المتوقع أن يظل الأمر على حاله لفترة طويلة مقبلة. وتلعب روسيا التي تُعتبر الوحيدة من بين دول أوروبا الشرقية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، دوراً مهماً للغاية في ربط الصلة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. وبالنسبة لطهران فإن روسيا تشكل مصدراً مهماً للحصول على المدخلات النووية والتكنولوجية والعسكرية والتدريب والبرامج الكمبيوترية، بالإضافة إلى السند الدبلوماسي. وتعول روسيا من جانبها كثيراً على طهران وتعتبرها شريكاً نووياً مهماً للغاية. وتمكنت روسيا عبر علاقاتها النووية مع إيران من كسب جانبين مهمين للغاية، حيث أصبحت تتميز بنفوذ وتأثير قوي على الجانبين الأمريكي والإيراني من خلال علاقتها الوطيدة معهما، ومكنها ذلك بدوره من تحقيق مصالح استراتيجية كبيرة في كلتا الدولتين.

وما ساعد على التقارب القوي بين طهران وموسكو توحدهما حول رؤية مشتركة تجاه قضايا غرب ووسط آسيا. ومن المعروف أن كلاً من روسيا وإيران تتخوفان من احتمال انتشار المد السلفي الإسلامي الأصولي ومن خطر الإرهاب الذي يقوده تنظيم القاعدة السني، بالإضافة إلى قلقهما من مسألة تزايد النفوذ السياسي والعسكري الأمريكي في منطقة بحر قزوين الغنية وحولها. لكن في الجانب الآخر ونظراً لعدم توافر قدر كافٍ من الثقة بين الطرفين فإنهما لم ينجحا في تنسيق سياسات إقليمية موحدة. فعلى سبيل المثال هنالك انقسامات حادة بينهما حول مشكلة تقسيم حقوق النفط والغاز في منطقة بحر قزوين، ولم يستطيعا الاتفاق على فرض حل على الدول الثلاث المتنازعة معهما، وهي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام الولايات المتحدة لتبني علاقات وثيقة مع هذه الدول المسلمة والتي كانت تنضوي تحت لواء الاتحاد السوفييتي السابق.

ويرى كثير من المراقبين أن تعزيز السلطات في يد رجال الدين المتشددين في إيران، على الرغم من أنه أمر غير مقبول، سيؤدي إلى إحداث شيء من التماسك والترابط في السياسة الإيرانية. وبالنسبة للإصلاحيين فإنهم وعلى الرغم من محاولتهم تبني سياسة تعاون مع الولايات المتحدة خلال الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مارس 2004 فإنهم لم يعودوا يشكلون اللاعب الرئيسي في الساحة السياسية في إيران في الوقت الحالي، والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة استطاعت في ذلك الوقت حشد أكبر قدر ممكن من الضغط الدولي ضد إيران لإرغامها على التراجع عن برامج أسلحتها النووية.

وتوقع المراقبون أن تكون المحصلة في نهاية الأمر تزايد احتمال إمكانية التوصل إلى صفقة محدودة بين الجانبين تعطي بموجبها الولايات المتحدة ضمانات أمنية وامتيازات اقتصادية لإيران في مقابل تهدئتها للملف النووي. وسيعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على تعاون أعضاء حلف الأطلسي وتوحدهم، وهو أمر سيتم اعتباره تطوراً إيجابياً للغاية في ظل الانقسامات الحادة التي صاحبت حرب العراق. لكن تعاون حلفاء الأطلسي لن ينفي الحاجة الملحة إلى ضرورة تبني سياسات أمريكية أكثر شمولاً تجاه إيران التي لا تزال تُتهم بدعم الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وتشكل تحدياً حقيقياً للولايات المتحدة. ومن المتوقع أن تبرز هذه السياسة ويكون لها صداها الواسع، خصوصاً إذا ما تحسنت الأوضاع في العراق، مما سيؤدي إلى تحويل اهتمامات المفكرين وصناع القرار في الولايات المتحدة نحو الاهتمام بالمشكلات الأخرى.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::798::/cck::
::introtext::

نشر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في سلسلة (تقييم استراتيجي)، 2004،  ص 183-196 الذي يصدره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وقام  مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في سلسلة ترجمات خليجية (العدد السابع ص51- 65).

 

::/introtext::
::fulltext::

نشر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في سلسلة (تقييم استراتيجي)، 2004،  ص 183-196 الذي يصدره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وقام  مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في سلسلة ترجمات خليجية (العدد السابع ص51- 65).

 من خلال تطور مسيرة برامج الصواريخ الإيرانية يمكن للأطراف الخارجية والمراقبين أن يستخلصوا حقيقة مهمة، مفادها أن السلطات الإيرانية تمكنت وعلى الرغم من الضغوط الدولية المتزايدة من ترك الباب مفتوحاً أمام مسألة مواصلة تطوير الأسلحة النووية أيضاً. لكن من المهم في الجانب الآخر القول إنه وحتى إذا استطاعت إيران تحقيق تقدم ملحوظ في مجال تطوير برامجها النووية فإن قدرتها على تطوير صواريخ نووية ستواجه بعض الصعوبات على المدى القصير، إذ إن الجيل الأول من الرؤوس النووية التي يمكن أن يكون بمقدور إيران الحصول عليها واستخدامها تتميز بأنها ثقيلة الوزن، بحيث يصعب على صواريخ (شهاب 3) حملها، لذلك فهي على الأقل ستحدّ من الخيارات اللازمة لإنجاح جهود زيادة مدى الصواريخ الإيرانية. ويبقى الاحتمال الوحيد في هذا الإطار هو أن تكون العلاقات النووية السابقة التي كانت تربط بين إيران وباكستان قد مكنت إيران من الحصول على التكنولوجيا اللازمة التي تمكِّنها من تطوير برامجها النووية.

ويدور حالياً جدل كبير داخل الدوائر الإيرانية المختلفة حول مسألة تطوير أسلحة نووية. فعلى الرغم من أن المحافظين المسيطرين على المؤسسة الدينية يشكلون العقبة الكبرى أمام مسألة تطوير العلاقات الدبلوماسية بين الإسلام والغرب فإن هناك كثيراً منهم ممن يشككون في جدوى المضي في طريق التسلح النووي، أكثر مما يفعل الإصلاحيون.

وينطلق المؤيدون لمسألة الاستمرار في برامج التسلح النووي من خمسة منطلقات وآراء مختلفة. فبالنسبة لأصحاب الرأي الأول فإنهم يستندون إلى ما تضمنته معاهدة نزع الأسلحة النووية من حقوق ومسؤوليات بالنسبة للدول الموقعة عليها. ويقول أصحاب هذا الرأي إن إيران لم تنتهك مطلقاً بنود وشروط المعاهدة، بل على العكس يجب عليها الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من المميزات القانونية التي توفرها تلك المعاهدة والمتمثلة في حق الحصول على تكنولوجيا نووية لأغراض سلمية. ويجد هذا الرأي معارضة جارفة لأسباب تتعلق بالتكلفة، إذ إن تكلفة البحوث والعمليات المتعلقة بتطوير البرامج النووية كبيرة للغاية، وهي تسبب إرهاقاً غير ضروري للخزينة الإيرانية. وتبرز المخاوف البيئية أيضاً كعامل مهم ضمن المبررات التي يعتمد عليها المعارضون لمبدأ الاستمرار والتوسع.

أما المجموعة الثانية المؤيدة للاستمرار في برامج التسلح النووي فيرون أنه ومن أجل أن تتمكن إيران من لعب دور رئيسي في المنطقة لا بد لها أن تظهر قوية، وأن تبرز كقوة إقليمية لديها أبحاثها وبرامجها النووية التي تجعل مختلِف الأطراف تضع لها ألف حساب حتى إن لم تعمل على تحويل برامجها وأبحاثها إلى أسلحة نووية حقيقية. ويستدل أصحاب هذا الرأي بموقف دول مثل باكستان والهند وكوريا الشمالية، وهي كلها تمتلك برامج وقدرات نووية قوية جعلتها تتحصن ضد أي اعتداءات أمريكية. وفي المقابل يرى المعارضون لهذه الرؤية أن تجربتي الاتحاد السوفييتي السابق وكوريا الشمالية أثبتتا ليس محدودية الإيجابيات والمحصلات التي يمكن الحصول عليها من برامج البحوث النووية فقط، بل أظهرتا بشكل جلي أيضاً أن أي تقدم في هذا المجال سيكون على حساب القطاع المدني. من هنا فإنه من المتوقع ألاّ تستطيع إيران تحمل تكلفة البحوث النووية. ويستند أصحاب الرأي الثالث إلى أسباب تتعلق بعدم الأمن السياسي  الجغرافي.

ويقود هذا الرأيَ عدد كبير من النافذين داخل معسكري المحافظين والإصلاحيين، ويعتقدون أن إيران توجد في محيط غير آمن تشوب علاقاتِ دوله حالةٌ من عدم الثبات والشكوك. لذلك فهم يرون أن الضرورة الاستراتيجية تستدعي من إيران تطوير برامج نووية، خصوصاً أن دولتين من دول الجوار الجغرافي، وهما باكستان وإسرائيل تمتلكان قدرات نووية ضخمة. لكن المعارضين لهذه الفرضية يرون أن إيران ونظراً لزوال الخطر العراقي لم تعد تواجه خطراً حقيقياً. ويدعم أصحاب هذه الفرضية موقفهم بالقول إنه حتى في ظل الظروف الدولية السابقة لم تتعرض الحدود الإيرانية للاختراق إلا مرة واحدة، وذلك خلال الحرب مع العراق، والتي استمرت من (1980-1988). وانطلاقاً من هذه الأسباب فهم يرون أن المبررات الأمنية ضعيفة ولا تستدعي من إيران السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، قد يؤدي الحصول عليها إلى جر الأطراف المختلفة في المنطقة إلى الدخول في سباق تسلح نووي محموم تجد مخاطره المتوقعة اعترافاً حتى من أكثر المؤيدين للمعسكر النووي. ويربط أصحاب الرأي الرابع بين البعدين الإقليمي والدولي للأمن القومي الإيراني، ويرون أن إيران إذا لم تمتلك أسلحة نووية فإنها ستكون عرضة للاختراقات والتهديدات الخارجية، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة. لكن المعارضين لهذه الرؤية يستبعدون فرضية أن تشكل مسألة تملك ترسانة نووية دافعاً نحو تغيير سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران أو أن يؤدي الخوف من الترسانة النووية الإيرانية بعد تملكها إلى إرغام دول المنطقة الأخرى على الإذعان للإرادة الإيرانية.

ويمضي بعض مستشاري خاتمي من المعارضين لمبدأ التسلح النووي إلى أبعد من ذلك، حيث يرون أن سعي إيران إلى تملك أسلحة نووية سيؤثر سلباً في علاقاتها الدولية، خصوصاً مع روسيا ويتخوفون كذلك من أن يؤدي الأمر إلى دفع المغامرين في الأوساط السياسية الإيرانية إلى جر البلاد نحو صراعات دولية تعرض علاقاتها للخطر. وينطلق أصحاب المعسكر الخامس والأخير من فكرة الربط بين البرامج النووية وتحقيق مصالح اقتصادية للبلاد، حيث يرون أن إطلاق العنان للباحثين والخبراء الإيرانيين وإعطاءهم قدراً كافياً من الحرية في مجال إجراء البحوث النووية والتكنولوجية من شأنهما أن يؤديا إلى بناء عدد من محطات الطاقة النووية التي ستؤدي بدورها إلى تأمين طاقة مستقبلية كافية، وبالتالي تقليص الاعتماد على الطاقة المستوردة. ومثلما كان للآراء الأربعة السابقة معارضوها فهنالك مجموعة تعارض هذا الرأي أيضاً، وتستند في معارضتها إلى التكلفة الضخمة التي تتطلبها عملية البدء في مشروعات الطاقة النووية وأبحاثها، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة تسييرها وصيانتها. ويرى هؤلاء المعارضون أيضاً أنه وبالنظر إلى الكميات الضخمة من النفط والغاز التي تمتلكها إيران سيكون من الصعب إقناع المجتمع الدولي بأن السبب وراء التحول نحو تملك التكنولوجيا النووية يرتبط بشكل أساسي بالحاجة إلى توفير مصادر إضافية للطاقة.

وانطلاقاً مما سبق يمكن القول إنه ليست هنالك من مؤشرات تدل على التوصل إلى خلاصة أو نهاية محددة في الجدل الدائر حالياً حول البرنامج النووي الوطني في إيران. ومن المؤكد أن المحصلات والنتائج التي يمكن أن يسفر عنها ذلك الجدل ستتوقف بشكل أساسي على وضعية موازين القوى الداخلية، بالإضافة إلى ردة فعل القوى الغربية تجاه الطموحات النووية الإيرانية.

وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد استندت في قرارها الصادر ضد إيران في الثالث عشر من مارس 2004 إلى ما وصفته بعدم احتواء الإعلان الصادر عن السلطات الإيرانية في أكتوبر 2003 على صورة كاملة لماضي وحاضر برامجها النووية، وعدم ارتقائه إلى المستوى المطلوب بناءً على قرار مجلس أمناء الوكالة الصادر في نوفمبر 2003. وعبرت الوكالة بشكل خاص عن قلقها تجاه الطريقة المتقدمة التي استخدمتها إيران في عملية تصميم أحد أجهزة الطرد المركزي وتجاه مسألة تملكها لقدرات تخصيب نووي متقدمة. كما كانت مسألة تملك أنظمة خلايا ساخنة في مراكز أبحاث المياه من الأشياء التي زادت من قلق الوكالة الدولية. لكن القرار تضمن كثيراً من الجوانب الإيجابية التي سدت الطريق أمام محاولات الولايات المتحدة جر المسألة إلى دهاليز مجلس الأمن الدولي، ومن بين الجوانب الإيجابية المهمة التي تضمنها القرار الإشادة بتعاون إيران مع الجهود الدولية. وما بين اللهجتين المتشددة واللينة بدأت القيادات ودوائر القرار في إيران تعبر علناً عن إحساسها بتعرض البلاد لظلم شنيع، وتزامن ذلك مع دعوات صريحة أطلقها قادة الحرس الثوري تطالب بانسحاب إيران من معاهدة حظر انتشار التسلح النووي. لكن تلك الأصوات والدعوات سرعان ما هدأت بفعل رجحان كفة الرأي الداعي إلى ضرورة استمرار التزام إيران بالاتفاقية التي تم التوصل إليها مع المجموعة الوزارية التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي أصبحت تشكل عنصر حماية قوياً بالنسبة لإيران في علاقتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بقي أن نقول إن إيران تعتقد بثقة كبيرة أنها لا تزال بعيدة كل البعد عن مسألة تحقيق قدرات نووية فاعلة وتحتاج إلى سنوات عديدة حتى تتمكن من ذلك. من هنا فإنه ليس من المتوقع أن تصعد واشنطن قضية الملف النووي الإيراني أو توصلها إلى مرحلة الأزمة على المديين القصير والمتوسط. وفي الوقت الحالي يبقى الخيار الواقعي الوحيد المتاح أمام الولايات المتحدة هو العمل على ضمان مواصلة الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية ضغوطهما على إيران وحثها على الالتزام بتعهداتها والتزاماتها التي نصت عليها معاهدة منع انتشار التسلح النووي. ومن المرجح أن تكتفي الولايات المتحدة بإدانتها الشفهية لطهران وبدورها كعنصر ضاغط في إطار المنهجية المزدوجة الحالية التي يتبناها حلف الأطلسي في التعامل مع إيران، والتي تجمع بين عنصري الضغط والمرونة. لكن إذا ما ثبت مرة أخرى انتهاك إيران لمعاهدة انتشار الأسلحة النووية أو إذا ما استأنفت برامج تخصيب اليورانيوم فإن الضغط الأمريكي سيزداد.

ضغط من الجهات كافة

إذا كانت حرب العراق قد أسهمت بشكل قوي في إحداث انقسامات واضحة بين الحلفاء الغربيين فقد توحدوا والتقوا حول القضايا المرتبطة بإيران، بما في ذلك القلق من علاقتها بالمجموعات الإرهابية ومسألة برامجها النووية ومعارضتها لمشروع (خريطة الطريق) كمنهجية لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بالإضافة إلى تعثر مسيرة الإصلاحات الداخلية وقضية حقوق الإنسان وتدخلها في الشأنين العراقي والأفغاني.

وعلى الرغم من أن إيران تتدخل بشكل واضح في الشأن العراقي أو الأفغاني في أعقاب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة هناك، ودعمها ومساعدتها لجهود الحلفاء الغربيين في الحرب ضد الإرهاب وتتبعها لعناصر القاعدة الفارين إلى داخل أراضيها، وتخفيفها للهجتها المعارضة لمشروع خريطة الطريق، لا تزال تتعرض لضغوط مشتركة من قبل الحلفاء الغربيين بسبب ملف أسلحة الدمار الشامل وتعاونها الوثيق مع حزب الله اللبناني وسوريا ورفضها تقديم كشف كامل ببرامجها النووية.

من الواضح أن إيران كانت تتوقع الاتهامات والجفوة الأمريكية، وأعدت نفسها جيداً للتعامل معها. لكن ما أربكها حقيقة هو الارتياب والشك اللذان وجدتهما من جانب الأوروبيين، وظلت طهران طوال عام 2003 مهتمة بالمخاوف الأوروبية الصريحة حول سياساتها الداخلية. وفي ظل تلك الوضعية بدأ بعض المسؤولين الإيرانيين في التعبير علناً عن شكوكهم في جدوى فاعلية ونجاح منهجية تفضيل الاتحاد الأوروبي وإعطائه الأولوية في السياسة الخارجية الإيرانية. وبدأت ترتفع أصوات داخل معسكر المحافظين تقارن بين السياسة الأمريكية تجاه إيران وسياسة الاتحاد الأوروبي وتضعهما في خانة واحدة. ويرى أصحاب هذا الرأي أنه إذا ما أراد الأوروبيون محاكاة السياسة الأمريكية تجاه إيران ولم يستطيعوا أن يشكلوا البديل المناسب للإيرانيين، فإن الأحرى بإيران أن تتعامل بشكل مباشر مع الولايات المتحدة من دون الحاجة إلى الوسيط الأوروبي.

لكن في الجانب الآخر كانت الرؤية الرسمية الإيرانية أكثر تعاطفاً مع الموقف الأوروبي، لذلك فقد بقيت أوروبا في أعلى قائمة اهتمامات وأولويات الدبلوماسية الإيرانية، ومن المتوقع أن يظل الأمر على حاله لفترة طويلة مقبلة. وتلعب روسيا التي تُعتبر الوحيدة من بين دول أوروبا الشرقية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، دوراً مهماً للغاية في ربط الصلة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. وبالنسبة لطهران فإن روسيا تشكل مصدراً مهماً للحصول على المدخلات النووية والتكنولوجية والعسكرية والتدريب والبرامج الكمبيوترية، بالإضافة إلى السند الدبلوماسي. وتعول روسيا من جانبها كثيراً على طهران وتعتبرها شريكاً نووياً مهماً للغاية. وتمكنت روسيا عبر علاقاتها النووية مع إيران من كسب جانبين مهمين للغاية، حيث أصبحت تتميز بنفوذ وتأثير قوي على الجانبين الأمريكي والإيراني من خلال علاقتها الوطيدة معهما، ومكنها ذلك بدوره من تحقيق مصالح استراتيجية كبيرة في كلتا الدولتين.

وما ساعد على التقارب القوي بين طهران وموسكو توحدهما حول رؤية مشتركة تجاه قضايا غرب ووسط آسيا. ومن المعروف أن كلاً من روسيا وإيران تتخوفان من احتمال انتشار المد السلفي الإسلامي الأصولي ومن خطر الإرهاب الذي يقوده تنظيم القاعدة السني، بالإضافة إلى قلقهما من مسألة تزايد النفوذ السياسي والعسكري الأمريكي في منطقة بحر قزوين الغنية وحولها. لكن في الجانب الآخر ونظراً لعدم توافر قدر كافٍ من الثقة بين الطرفين فإنهما لم ينجحا في تنسيق سياسات إقليمية موحدة. فعلى سبيل المثال هنالك انقسامات حادة بينهما حول مشكلة تقسيم حقوق النفط والغاز في منطقة بحر قزوين، ولم يستطيعا الاتفاق على فرض حل على الدول الثلاث المتنازعة معهما، وهي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام الولايات المتحدة لتبني علاقات وثيقة مع هذه الدول المسلمة والتي كانت تنضوي تحت لواء الاتحاد السوفييتي السابق.

ويرى كثير من المراقبين أن تعزيز السلطات في يد رجال الدين المتشددين في إيران، على الرغم من أنه أمر غير مقبول، سيؤدي إلى إحداث شيء من التماسك والترابط في السياسة الإيرانية. وبالنسبة للإصلاحيين فإنهم وعلى الرغم من محاولتهم تبني سياسة تعاون مع الولايات المتحدة خلال الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مارس 2004 فإنهم لم يعودوا يشكلون اللاعب الرئيسي في الساحة السياسية في إيران في الوقت الحالي، والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة استطاعت في ذلك الوقت حشد أكبر قدر ممكن من الضغط الدولي ضد إيران لإرغامها على التراجع عن برامج أسلحتها النووية.

وتوقع المراقبون أن تكون المحصلة في نهاية الأمر تزايد احتمال إمكانية التوصل إلى صفقة محدودة بين الجانبين تعطي بموجبها الولايات المتحدة ضمانات أمنية وامتيازات اقتصادية لإيران في مقابل تهدئتها للملف النووي. وسيعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على تعاون أعضاء حلف الأطلسي وتوحدهم، وهو أمر سيتم اعتباره تطوراً إيجابياً للغاية في ظل الانقسامات الحادة التي صاحبت حرب العراق. لكن تعاون حلفاء الأطلسي لن ينفي الحاجة الملحة إلى ضرورة تبني سياسات أمريكية أكثر شمولاً تجاه إيران التي لا تزال تُتهم بدعم الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وتشكل تحدياً حقيقياً للولايات المتحدة. ومن المتوقع أن تبرز هذه السياسة ويكون لها صداها الواسع، خصوصاً إذا ما تحسنت الأوضاع في العراق، مما سيؤدي إلى تحويل اهتمامات المفكرين وصناع القرار في الولايات المتحدة نحو الاهتمام بالمشكلات الأخرى.

::/fulltext::
::cck::798::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *