الاستفتاء التركي والمواجهة مع الدول العربية

::cck::996::/cck::
::introtext::

تواصل حكومة العدالة والتنمية الإسلامية قفزاتها ونقلاتها النوعية على المستويين الإقليمي والدولي منذ أن تولت السلطة قبل ثماني سنوات بشكل يقدمها كإحدى حكومات الدول صاحبة الأدوار المحورية والثقل الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وتشهد في سبيل ذلك الساحتان السياسية والثقافية لتركيا متغيرات يرصد حجمها وتقلباتها السياسية المراقبون للشأن التركي منذ سنوات.

::/introtext::
::fulltext::

تواصل حكومة العدالة والتنمية الإسلامية قفزاتها ونقلاتها النوعية على المستويين الإقليمي والدولي منذ أن تولت السلطة قبل ثماني سنوات بشكل يقدمها كإحدى حكومات الدول صاحبة الأدوار المحورية والثقل الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وتشهد في سبيل ذلك الساحتان السياسية والثقافية لتركيا متغيرات يرصد حجمها وتقلباتها السياسية المراقبون للشأن التركي منذ سنوات.

من هذا المنطلق جاءت نتيجة الاستفتاء الفاصل في تاريخ الصراع بين الإسلاميين – ممثلين في الحكومة وحزبها العدالة والتنمية – وبين العلمانيين – محددين في جنرالات الجيش وقادته – إذ أيد نحو 58 في المائة ممن لهم حق التصويت ويقدرون بـ 50 مليون شخص تعديل 26 مادة من الدستور الذي وضع عام 1982 بعد عامين من الانقلاب الذي قاده الجنرال كنعان إيفري، وهو تعديل اعتبره معظم المراقبين والمحللين يعزز فرص حزب العدالة والتنمية للفوز للمرة الثالثة على التوالي في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في يوليو المقبل، فضلاً أنه يحقق مزيداً من الديمقراطية والحرية للمواطنين.

وبغض النظر عن الجدل الذي أثارته التعديلات حول سياسة الحكومة الإسلامية والتغيرات التي أحدثتها في سياسة تركيا الخارجية فإن حزب العدالة والتنمية استطاع أن يدير معركة الاستفتاء بإتقان، وربط هدف التعديلات بمصلحة مختلف الشرائح المجتمعية بما يرسخ مسيرة الإصلاحات السياسية والقانونية التي قادها الحزب وهو ما دفع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى التعقيب على النتيجة قائلاً: الاستفتاء حدث تاريخي وفتح الباب واسعاً لتغيير الدستور بكاملة، وأضاف أن ذلك هو المشروع المقبل لحكومته إذا اختارها الناخبون مجدداً في الانتخابات المقبلة.

واستهدفت التعديلات الحد من تدخل الجيش في الحياة السياسية‏ والحد من صلاحياته عن طريق إزالة الأساس القانوني للدور السياسي لجنرالات المؤسسة العسكرية‏،‏ والسماح بمحاكمة العسكريين أمام المحاكم المدنية‏،‏ وقصر المحاكمات العسكرية علي الجرائم التي تتصل بالمهام والمسؤوليات العسكرية‏،‏ هذا إلى جانب الحد من صلاحيات السلطة القضائية‏ التي طالما وجهت إليها اتهامات من قبل حزب العدالة‏ بتدخلها في شؤون السلطتين التشريعية والتنفيذية‏. فضلاً عن تعزيز الحقوق الأساسية والحريات العامة والاعتراف بالهوية الكردية من خلال رفع الحظر عن التعليم والبث باللغة الكردية‏،‏ بما دفع البعض إلى تسمية تلك الإصلاحات بـ‏‏ (ثورة صامتة).

ردود فعل متنوعة للاستفتاء عربياً

هذا النموذج الذي قدمته حكومة العدالة والتنمية الإسلامية فرض اهتماماً متنوعاً من جانب النخب السياسية والفكرية العربية بشأن ما يحدث في تركيا من تطورات. وكان هناك تهليل من الحركات الإسلامية العربية بالنقلة الجديدة لحزب العدالة في وجه العلمانيين واعتبروا أن ذلك نموذجاً يحتذى يمكن أن يسيروا على دربه، وبدا ذلك المشهد في بيانات وكتابات كوادر وقيادات من جماعة مثل الإخوان المسلمين والسلفيين وبعض المواقع الأصولية.

وفي المقابل لم يلق الأمر قبولاً من التيارات العلمانية واليسارية أو استحساناً من بعض الحكومات التي ترى في تنامي دور تركيا تهديداً لمكانتها الإقليمية والدولية. لكن حقيقة الأمر أن القفزة السياسية التي حققتها حكومة العدالة والتنمية في تركيا مؤخراً مثلت حرجاً للأطراف السابقة سواء كانت رسمية أو إسلامية أو علمانية.

فقد وضع المشهد التركي الحركات الإسلامية التي تنادي بالإصلاح في الدول العربية في مأزق، لأنها لم تطور من نفسها على غرار حزب العدالة، ولم تتعامل مع مقومات الواقع الدولي في إطار برنامجها وخطابها السياسي خاصة أن منها ما هو قائم قبل نشأة حزب العدالة نفسه، وبالتالي فهي بحاجة إلى نهضة تحقق لها السير على خطى الإسلاميين العصريين.

أما في معسكر التيارات الليبرالية واليسارية فهي أمام إخفاق جديد بعد أن كانت تركيا من أفضل نماذج وجودها في السلطة ولذلك حاولت ألا تبدي اهتماماً يذكر بهذه القضية. في حين انتابت النخب الحاكمة هواجس أن يدفع النموذج التركي كلاً من الطرفين السابقين للممارسة ضغوط جديدة داخلياً وخارجياً تطالب بإصلاحات سياسية مماثلة، فضلاً عن أن الوضع التركي يجعلها محل إعجاب دوائر إسلامية وعربية كثيرة بما يقدمها كدولة محورية على حساب الدولة صاحبة أدوار إقليمية وخاصة الدول السنية المعتدلة مثل مصر والسعودية وتضاف إليها ليبيا، فضلاً أن دول مثل دول الخليج يعتبر صعودها خصماً من دور إيران في المنطقة.

ويدعم ذلك أيضاً مواقف حكومة العدالة التي أعادت الوجود التركي في الساحة العربية بشكل أصبحت معه العلاقات بين تركيا والعرب أكثر دفئاً، وما صاحب ذلك من تطور في العلاقات الاقتصادية والثقافية، إذ لا تنسى الشعوب العربية في هذا السياق رفض البرلمان التركي لانطلاق القوات الأمريكية لغزو العراق من الأراضي التركية، وكذلك موقف رئيس الوزراء أردوغان مع الرئيس الإسرائيلي بيريز في مؤتمر دافوس عندما انسحب من جلسة مشتركة يحاضر فيها الاثنان.

يضاف إلى ذلك أسطول الحرية الذي أرسلته تركيا لإغاثة أهل غزة وما تعرض له من قصف إسرائيلي في عرض البحر، وأيضاً موقف تركيا الداعم لمواقف حركة حماس وإيران وحزب الله في وجه الضغوط الدولية وخاصة الغربية، ورغم أن تركيا حاولت أن تقلل من خلال تلك المواقف تبعيتها للغرب وما ينتج عن ذلك من تداعيات تتعلق بقبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي إلا أن ذلك أعادها بقوة إلى دائرة الضوء في المنطقة. ومن هنا يأتي السؤال المحوري عن شكل العلاقات العربية – التركية في الفترة المقبلة، هل ستشهد مواجهة كما هو الحال في موقف دول عربية مؤثرة مثل مصر والسعودية مع إيران، أم سيكون هناك تعاون بناء لصالح القضايا العربية؟

زعامة عربية أم تركية؟

ينقلنا ذلك الاستفهام إلى شكل المصالح العربية – التركية فهي متداخلة ومتعددة، ويأتي أبرزها ما يحدث في الجانب الاقتصادي، حيث وصل حجم المصالح المتبادلة في عام (2009-2010) إلى 25 مليار دولار أمريكي وهو ما يساوي أربعة أضعاف ما كان عليه ذلك المبلغ في 2003، فمثلاً وصلت قيمة التبادل التجاري بين مصر وتركيا 2.39 مليار دولار سنة 2009، وزاد عدد الشركات التركية العاملة في مصر من 23 شركة فقط سنة 2005، إلى 250 شركة سنة 2007، ووصل عددها إلى 400 شركة سنة 2009، والعدد في زيادة مستمرة.

كما اتجهت تركيا بقوة إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، وتطور الأمر لأبعاد استراتيجية تتمثل في دعم عسكري تركي لدول الخليج في مقابل كميات من نفط تلك الدول حيث تستورد أنقرة 90 في المائة من احتياجاتها النفطية، ووفقاً لإحصائيات من وزارة الصناعة والتجارة التركية فإن حجم التبادل التجاري بين تركيا والإمارات وصل إلى 5 مليارات دولار.

صاحب ذلك الاهتمام بالعلاقات التجارية اهتمام بالأوضاع السياسية والأمنية، ورغم ذلك فإن الصعود الإقليمي الأخير لدولة الخلافة العثمانية لم تحققه إلا من خلال اللعب على توازنات الوضع في المنطقة وخاصة في ظل التدخلات المختلفة وما يصاحبها من تطورات وتغيرات على الساحات العربية والإسلامية وخاصة في دول مثل العراق وإيران وفلسطين ولبنان.

ولمزيد من التوضيح فإن الفكرة الرئيسية التي يؤمن بها أنصار حزب العدالة والتنمية تقوم في الأساس على إعادة بعث تركيا كدولة محورية في الشرق الأوسط أولاً ووقف تبعيتها للغرب، وهي رؤية أكد عليها وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو في كتابه (العمق الاستراتيجي) المنشور في 2001، وعبر عنها تفصيلياً أحد كوادر الحركة الإسلامية التركية يدعى السادات أكيوز في نقاش أجريته معه خلال زياره له إلى القاهرة مطلع 2009، حيث أشار إلى أنهم يرون أن تجربة حزب العدالة تعني استقلال تركيا فقط، ويبقى لها أن تصل إلى مكة والمدينة لأنها دار الإسلام و(حرث الأخرة) للمسلمين على حد تعبيره.

وباعتبار أن السياسة التركية الحالية تعتمد على فكرة الوسطية والوقوف في منتصف الطريق للاستفادة من كل الأطراف، فإن الصعود التركي في الساحة العربية يحمل أكثر من وجه بحيث نجد من يباركه ويدعمه وهناك من يتحفظ على تحركاته ويتصدى له حفاظاً على مكانته الإقليمية في ظل حالة الارتياب من العلاقات التركية-الإسرائيلية.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::996::/cck::
::introtext::

تواصل حكومة العدالة والتنمية الإسلامية قفزاتها ونقلاتها النوعية على المستويين الإقليمي والدولي منذ أن تولت السلطة قبل ثماني سنوات بشكل يقدمها كإحدى حكومات الدول صاحبة الأدوار المحورية والثقل الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وتشهد في سبيل ذلك الساحتان السياسية والثقافية لتركيا متغيرات يرصد حجمها وتقلباتها السياسية المراقبون للشأن التركي منذ سنوات.

::/introtext::
::fulltext::

تواصل حكومة العدالة والتنمية الإسلامية قفزاتها ونقلاتها النوعية على المستويين الإقليمي والدولي منذ أن تولت السلطة قبل ثماني سنوات بشكل يقدمها كإحدى حكومات الدول صاحبة الأدوار المحورية والثقل الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وتشهد في سبيل ذلك الساحتان السياسية والثقافية لتركيا متغيرات يرصد حجمها وتقلباتها السياسية المراقبون للشأن التركي منذ سنوات.

من هذا المنطلق جاءت نتيجة الاستفتاء الفاصل في تاريخ الصراع بين الإسلاميين – ممثلين في الحكومة وحزبها العدالة والتنمية – وبين العلمانيين – محددين في جنرالات الجيش وقادته – إذ أيد نحو 58 في المائة ممن لهم حق التصويت ويقدرون بـ 50 مليون شخص تعديل 26 مادة من الدستور الذي وضع عام 1982 بعد عامين من الانقلاب الذي قاده الجنرال كنعان إيفري، وهو تعديل اعتبره معظم المراقبين والمحللين يعزز فرص حزب العدالة والتنمية للفوز للمرة الثالثة على التوالي في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في يوليو المقبل، فضلاً أنه يحقق مزيداً من الديمقراطية والحرية للمواطنين.

وبغض النظر عن الجدل الذي أثارته التعديلات حول سياسة الحكومة الإسلامية والتغيرات التي أحدثتها في سياسة تركيا الخارجية فإن حزب العدالة والتنمية استطاع أن يدير معركة الاستفتاء بإتقان، وربط هدف التعديلات بمصلحة مختلف الشرائح المجتمعية بما يرسخ مسيرة الإصلاحات السياسية والقانونية التي قادها الحزب وهو ما دفع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى التعقيب على النتيجة قائلاً: الاستفتاء حدث تاريخي وفتح الباب واسعاً لتغيير الدستور بكاملة، وأضاف أن ذلك هو المشروع المقبل لحكومته إذا اختارها الناخبون مجدداً في الانتخابات المقبلة.

واستهدفت التعديلات الحد من تدخل الجيش في الحياة السياسية‏ والحد من صلاحياته عن طريق إزالة الأساس القانوني للدور السياسي لجنرالات المؤسسة العسكرية‏،‏ والسماح بمحاكمة العسكريين أمام المحاكم المدنية‏،‏ وقصر المحاكمات العسكرية علي الجرائم التي تتصل بالمهام والمسؤوليات العسكرية‏،‏ هذا إلى جانب الحد من صلاحيات السلطة القضائية‏ التي طالما وجهت إليها اتهامات من قبل حزب العدالة‏ بتدخلها في شؤون السلطتين التشريعية والتنفيذية‏. فضلاً عن تعزيز الحقوق الأساسية والحريات العامة والاعتراف بالهوية الكردية من خلال رفع الحظر عن التعليم والبث باللغة الكردية‏،‏ بما دفع البعض إلى تسمية تلك الإصلاحات بـ‏‏ (ثورة صامتة).

ردود فعل متنوعة للاستفتاء عربياً

هذا النموذج الذي قدمته حكومة العدالة والتنمية الإسلامية فرض اهتماماً متنوعاً من جانب النخب السياسية والفكرية العربية بشأن ما يحدث في تركيا من تطورات. وكان هناك تهليل من الحركات الإسلامية العربية بالنقلة الجديدة لحزب العدالة في وجه العلمانيين واعتبروا أن ذلك نموذجاً يحتذى يمكن أن يسيروا على دربه، وبدا ذلك المشهد في بيانات وكتابات كوادر وقيادات من جماعة مثل الإخوان المسلمين والسلفيين وبعض المواقع الأصولية.

وفي المقابل لم يلق الأمر قبولاً من التيارات العلمانية واليسارية أو استحساناً من بعض الحكومات التي ترى في تنامي دور تركيا تهديداً لمكانتها الإقليمية والدولية. لكن حقيقة الأمر أن القفزة السياسية التي حققتها حكومة العدالة والتنمية في تركيا مؤخراً مثلت حرجاً للأطراف السابقة سواء كانت رسمية أو إسلامية أو علمانية.

فقد وضع المشهد التركي الحركات الإسلامية التي تنادي بالإصلاح في الدول العربية في مأزق، لأنها لم تطور من نفسها على غرار حزب العدالة، ولم تتعامل مع مقومات الواقع الدولي في إطار برنامجها وخطابها السياسي خاصة أن منها ما هو قائم قبل نشأة حزب العدالة نفسه، وبالتالي فهي بحاجة إلى نهضة تحقق لها السير على خطى الإسلاميين العصريين.

أما في معسكر التيارات الليبرالية واليسارية فهي أمام إخفاق جديد بعد أن كانت تركيا من أفضل نماذج وجودها في السلطة ولذلك حاولت ألا تبدي اهتماماً يذكر بهذه القضية. في حين انتابت النخب الحاكمة هواجس أن يدفع النموذج التركي كلاً من الطرفين السابقين للممارسة ضغوط جديدة داخلياً وخارجياً تطالب بإصلاحات سياسية مماثلة، فضلاً عن أن الوضع التركي يجعلها محل إعجاب دوائر إسلامية وعربية كثيرة بما يقدمها كدولة محورية على حساب الدولة صاحبة أدوار إقليمية وخاصة الدول السنية المعتدلة مثل مصر والسعودية وتضاف إليها ليبيا، فضلاً أن دول مثل دول الخليج يعتبر صعودها خصماً من دور إيران في المنطقة.

ويدعم ذلك أيضاً مواقف حكومة العدالة التي أعادت الوجود التركي في الساحة العربية بشكل أصبحت معه العلاقات بين تركيا والعرب أكثر دفئاً، وما صاحب ذلك من تطور في العلاقات الاقتصادية والثقافية، إذ لا تنسى الشعوب العربية في هذا السياق رفض البرلمان التركي لانطلاق القوات الأمريكية لغزو العراق من الأراضي التركية، وكذلك موقف رئيس الوزراء أردوغان مع الرئيس الإسرائيلي بيريز في مؤتمر دافوس عندما انسحب من جلسة مشتركة يحاضر فيها الاثنان.

يضاف إلى ذلك أسطول الحرية الذي أرسلته تركيا لإغاثة أهل غزة وما تعرض له من قصف إسرائيلي في عرض البحر، وأيضاً موقف تركيا الداعم لمواقف حركة حماس وإيران وحزب الله في وجه الضغوط الدولية وخاصة الغربية، ورغم أن تركيا حاولت أن تقلل من خلال تلك المواقف تبعيتها للغرب وما ينتج عن ذلك من تداعيات تتعلق بقبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي إلا أن ذلك أعادها بقوة إلى دائرة الضوء في المنطقة. ومن هنا يأتي السؤال المحوري عن شكل العلاقات العربية – التركية في الفترة المقبلة، هل ستشهد مواجهة كما هو الحال في موقف دول عربية مؤثرة مثل مصر والسعودية مع إيران، أم سيكون هناك تعاون بناء لصالح القضايا العربية؟

زعامة عربية أم تركية؟

ينقلنا ذلك الاستفهام إلى شكل المصالح العربية – التركية فهي متداخلة ومتعددة، ويأتي أبرزها ما يحدث في الجانب الاقتصادي، حيث وصل حجم المصالح المتبادلة في عام (2009-2010) إلى 25 مليار دولار أمريكي وهو ما يساوي أربعة أضعاف ما كان عليه ذلك المبلغ في 2003، فمثلاً وصلت قيمة التبادل التجاري بين مصر وتركيا 2.39 مليار دولار سنة 2009، وزاد عدد الشركات التركية العاملة في مصر من 23 شركة فقط سنة 2005، إلى 250 شركة سنة 2007، ووصل عددها إلى 400 شركة سنة 2009، والعدد في زيادة مستمرة.

كما اتجهت تركيا بقوة إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، وتطور الأمر لأبعاد استراتيجية تتمثل في دعم عسكري تركي لدول الخليج في مقابل كميات من نفط تلك الدول حيث تستورد أنقرة 90 في المائة من احتياجاتها النفطية، ووفقاً لإحصائيات من وزارة الصناعة والتجارة التركية فإن حجم التبادل التجاري بين تركيا والإمارات وصل إلى 5 مليارات دولار.

صاحب ذلك الاهتمام بالعلاقات التجارية اهتمام بالأوضاع السياسية والأمنية، ورغم ذلك فإن الصعود الإقليمي الأخير لدولة الخلافة العثمانية لم تحققه إلا من خلال اللعب على توازنات الوضع في المنطقة وخاصة في ظل التدخلات المختلفة وما يصاحبها من تطورات وتغيرات على الساحات العربية والإسلامية وخاصة في دول مثل العراق وإيران وفلسطين ولبنان.

ولمزيد من التوضيح فإن الفكرة الرئيسية التي يؤمن بها أنصار حزب العدالة والتنمية تقوم في الأساس على إعادة بعث تركيا كدولة محورية في الشرق الأوسط أولاً ووقف تبعيتها للغرب، وهي رؤية أكد عليها وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو في كتابه (العمق الاستراتيجي) المنشور في 2001، وعبر عنها تفصيلياً أحد كوادر الحركة الإسلامية التركية يدعى السادات أكيوز في نقاش أجريته معه خلال زياره له إلى القاهرة مطلع 2009، حيث أشار إلى أنهم يرون أن تجربة حزب العدالة تعني استقلال تركيا فقط، ويبقى لها أن تصل إلى مكة والمدينة لأنها دار الإسلام و(حرث الأخرة) للمسلمين على حد تعبيره.

وباعتبار أن السياسة التركية الحالية تعتمد على فكرة الوسطية والوقوف في منتصف الطريق للاستفادة من كل الأطراف، فإن الصعود التركي في الساحة العربية يحمل أكثر من وجه بحيث نجد من يباركه ويدعمه وهناك من يتحفظ على تحركاته ويتصدى له حفاظاً على مكانته الإقليمية في ظل حالة الارتياب من العلاقات التركية-الإسرائيلية.

 

::/fulltext::
::cck::996::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *