انعكاسات الوضع العراقي على موازين القوى في المنطقة
::cck::1131::/cck::
::introtext::
تاريخياً، لعب العراق الوطني القومي العروبي دوراً رئيسياً في تحقيق التوازن الإقليمي. إذ لطالما كان قادراً رغم الضعف الذي اعتراه في فترات مختلفة على المحافظة على شكل من أشكال هذا التوازن مع محيطه القريب الذي يضم إيران وتركيا ونوعاً ما مع المحيط البعيد المتمثّل في إسرائيل. لكنّ حرب الخليج الثانية ومن بعدها الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وما ألحقه من تدمير لخصائص الكيان العراقي ومؤسسات الدولة، أدت إلى فراغ إقليمي انعكس خللاً في التوازن الذي كان سائداً –رغم هشاشته- بين مختلف القوى في المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
تاريخياً، لعب العراق الوطني القومي العروبي دوراً رئيسياً في تحقيق التوازن الإقليمي. إذ لطالما كان قادراً رغم الضعف الذي اعتراه في فترات مختلفة على المحافظة على شكل من أشكال هذا التوازن مع محيطه القريب الذي يضم إيران وتركيا ونوعاً ما مع المحيط البعيد المتمثّل في إسرائيل. لكنّ حرب الخليج الثانية ومن بعدها الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وما ألحقه من تدمير لخصائص الكيان العراقي ومؤسسات الدولة، أدت إلى فراغ إقليمي انعكس خللاً في التوازن الذي كان سائداً –رغم هشاشته- بين مختلف القوى في المنطقة.
وقعت الولايات المتّحدة الأمريكية في فترة ولاية جورج بوش الابن الثانية بمأزق كبير في العراق نتيجة لازدياد الخسائر المادية والبشرية التي تعرّضت لها إثر ارتفاع منسوب عمليات المقاومة العراقية، فضاقت خياراتها وأصبحت أمام واقع يقتضي منها:
* إمّا الخروج من العراق فوراً وهو ما يعني اعترافاً صريحاً بالهزيمة مع ما يتركه هذا من تداعيات مدمّرة ونتائج عكسية خطيرة قد تؤدي إلى سيطرة إيران المباشرة على العراق وتدحرج الفوضى وانهيار أنظمة مجاورة وتضرر المصالح الأمريكية بشكل أكبر في المنطقة والموقع الأمريكي في العالم.
* أو تحمّل هذه الخسائر وكل ما ينجم عنها من تداعيات على قدرة واشنطن المالية والعسكرية وعلى وضعها إقليمياً ودولياً ومحاولة إعادة ضبط الوضع في العراق قدر الإمكان قبل الخروج، وذلك لتحاشي الجزء الأكبر من النتائج الكارثية التي من الممكن أن تحدث فيما لو تمّ اعتماد الخيار الأول.
وبالفعل مضت الولايات المتّحدة في الخيار الثاني، فقامت بزيادة قوّاتها هناك في عام 2007 على أمل أن تحقق حداً أدنى من الاستقرار يخوّلها نقل السلطات بشكل تدريجي إلى القوات العراقية لإمساك زمام الأمور، ويتيح الوقت المناسب لها لترتيب أوراقها للانسحاب بشكل مقبول ولائق.
حقائق ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق 2010
وقد جاءت سياسة الرئيس باراك أوباما منسجمة مع هذه الخطّة فتابعها حتى أعلنت القوات الأمريكية في نهاية شهر أغسطس 2010 عن انسحاب آخر كتيبة مقاتلة لها في العراق (كتيبة سترايكر المتمركزة في أبو غريب، 25 كلم غرب بغداد) وعن بقاء ما يقارب 50 ألف جندي تقريباً تنحصر مهامهم بعمليات تدريبية واستشارية ولوجستية على أن يتم سحبهم وفق الاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد نهاية عام 2011.
ولا شك في أن هذه الخطوة التي كلّفت الولايات المتّحدة حتى تاريخه وفق الناطق باسم وزارة الخارجية فيليب كراولي مقتل 4400 أمريكي وحوالي ألف مليار دولار، تركت فراغاً سياسياً وأمنياً في العراق نتيجة لعدم الاستقرار السياسي والنزاع الحاصل بين مختلف التيارات الداخلية على السلطة والحكم، وأيضاً نتيجة لعدم جهوزية الجيش العراقي وقوى الأمن بشكل مناسب لمواجهة أي تداعيات كبرى داخلية أو خارجية، فالقوى الرسمية العراقية أعجز من أن تدافع عن نفسها بوضعها الحالي، ناهيك عن أن تحمي الأراضي العراقية.
ويحتاج العراق وفق العديد من التقارير إلى سنوات عديدة لإعادة بناء قدراته العسكرية والأمنية بحدّها الأدنى بشكل يسمح له بالدفاع عن أمنه وحدوده بنفسه، بل إن البعض يشير إلى أن العراق لن يكون قادراً على الاستغناء عن القوات الأمريكية حتى عام 2020م، ومنهم رئيس أركان الجيش العراقي بابكر زيباري الذي يرى أن ملف القوتين الجوية والبحرية سيبقى مع الأمريكيين لغاية عام 2020م.
أمام هذا الواقع الذي يتمثّل في الفراغ السياسي والأمني الداخلي والضعف العسكري العراقي، تبدو إيران الرابح الأكبر -إلى الآن- في لعبة توازن القوى في المنطقة. وفي الوقت الذي تبحث فيه كل من سوريا وتركيا عن دور جديد في العراق، تعد دول مجلس التعاون الخليجي الخاسر الأكبر، فقد خرجت هذه الدول من اللعبة العراقية لوقت طويل، وتعاني من تداعيات هذا الخروج اليوم مع انسحاب القوات الأمريكية، حيث تزداد مخاوفها من أن يمتد التأثير الإيراني إلى أراضيها عبر تجمّعات طائفية معيّنة أو من خلال التهديد العسكري المتعاظم.
نفوذ اللاعبين الإقليميين على الساحة العراقية
تقليدياً يشكّل العراق العربي القوي كابوساً للإيرانيين، ومع انهياره أخذ التمدد الإيراني مداه. فلإيران نفوذ قوي في عراق اليوم سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ومن المفارقات المثيرة أن الولايات المتّحدة كانت صاحبة الفضل الوحيد في زيادة نفوذ إيران الإقليمي والإخلال الكبير في ميزان القوى بين الدول الرئيسية في المنطقة لا سيما بعد احتلال أفغانستان في عام 2001 والعراق في عام 2003.
وتتمتّع طهران الآن بأفضليّة ملحوظة في الداخل العراقي على سائر اللاعبين الإقليميين. وأمام هذا الواقع، يسعى المثلث التركي ـ السوري ـ السعودي باعتقادنا إلى موازنة الدور الإيراني في الداخل العراقي كلّ من منطلقاته الخاصة.
أولاً: بالنسبة للأتراك، يهمّهم الوضع الكردي في العراق سواء لجهة نشاطات حزب العمال الكردستاني وكيفية محاصرته ومحاربته بدعم من السلطة المركزية في بغداد وبحد أدنى من الأضرار وبما يحول دون دخول القوات التركية إلى شمال العراق.
كما يهمّهم ألا يتغيّر وضع كركوك وألا تتطوّر الاستقلالية في الحالة الكردية العراقية بما يسمح باستخدام كردستان العراق كقاعدة لعمل المنافسين الإقليميين (استخبارات إيران وإسرائيل ضد المصالح التركية) أو المجاهرة بالمطالبة بدولة مستقلة في العراق.
لذلك فالأتراك حريصون على اندماج كافة مكونات الشعب العراقي، وقد كان ومازال لهم دور قوي في تشجيع السنّة على المشاركة في العملية السياسية للحيلولة دون تهميشهم أو استئثار الشيعة بالسلطة بما يخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. وهم حريصون أيضاً على وحدة واستقلال العراق وضرورة وجود سلطة مركزية قوية في بغداد، ولذلك يبحثون عن شركاء إقليميين قادرين على الالتقاء معهم في تحقيق هذه الأهداف وبما يتناسب أيضاً مع السياسة الخارجية الإيجابية الجديدة لحزب العدالة والتنمية أو ما يعرف برؤية وزير الخارجية الحالي أحمد داوود أوغلو لدور تركيا وسياستها الخارجية.
ثانياً: بالنسبة لسوريا، لا شك في أن لدمشق حساباتها الخاصة في العراق أيضاً، فهي لا تريد من البلاد أن تنزلق كلياً إلى حضن الحليف الإيراني كي لا تذهب الكعكة كلها إلى إيران من جهة، ولكي يبقى لها دور تمارسه وتستفيد منه في بغداد، ولذلك فهي حرصت في الفترة السابقة على استضافة بعض ممن يسمون قيادات بعثية سابقة، كما أنها حرصت على إبقاء علاقاتها مع السنة العرب تحت أبواب وشعارات مختلفة منها (مقاومة المحتل) ، ولا تريد أن تبدو منحازة كلياً إلى الطيف الشيعي بما يؤثر في وضع النظام داخل سوريا حيث الأغلبية السنيّة الساحقة.
حالياً وبعد انسحاب القوات الأمريكية، يبدو أن الوضع العراقي ودور دمشق فيه يخضع لمساومة مع الطرف الأمريكي على صفقة أوسع تشمل دور سوريا في لبنان وفلسطين وأماكن أخرى. فبعد أن كانت سياسة التوتير المضبوط وصناعة عدم الاستقرار مصلحة سورية في عهد بوش الابن، يبدو أن دور دمشق آخذ في التغيّر ولو مؤقتاً لصالح دعم الاستقرار في هذه الساحات مقابل انفتاح وتطبيع أكبر في العلاقات مع أمريكا وأوروبا والانعتاق من حصرية الخط الإيراني وفتح خيارات أوسع على مختلف اللاعبين من دون الانفكاك كلياً عن محور طهران إلى الآن، ومن ضمنها حجز مقعد على طاولة المفاوضات مع إسرائيل وبرعاية تركيّة مرة أخرى على الأرجح.
ثالثاً: في الحسابات السعودية، تلتقي سياسة دمشق في (دعم الاستقرار) و(التواصل مع السنة) مع سياسة ومصالح تركيا التي سبق وشرحناها مع سياسة المملكة العربية السعودية، خاصة إذا ما علمنا أن المملكة كانت السبّاقة في استشراف هذا الوضع والعمل على تدارك تداعياته في وجه التغلغل الإيراني عندما لعب الملك عبدالله بن عبدالعزيز دوراً تاريخياً في المصالحة العربية-العربية ووضعها عملياً على الخط السليم بالانفتاح على سوريا، الأمر الذي سمح فيما بعد لمختلف الأطراف الإقليمية والدولية بانفتاح مماثل على دمشق (فرنسا وأمريكا). وتخشى المملكة من انزلاق كلي للعراق إلى الحضن الإيراني والنتائج الكارثية لهذا الانزلاق على دول مجلس التعاون الخليجي وعلى المنطقة. ورغم أن المملكة دعمت عمليات مكافحة الإرهاب كونها متضرراً رئيسياً منه، إلا أن علاقاتها مع السلطات العراقية في عهد الجعفري وأيضاً المالكي لم تكن على خير ما يرام وهي ترى الغبن والتهميش والقمع الذي تعرّض له سنّة العراق تحت دعاوى مختلفة. وما زاد الموقف صعوبة الضغوط المتزايدة للداخل في الدول المجاورة للعراق بالتدخل لإنصاف السنّة العرب والمساعدة على تحقيق توازن مع النفوذ الإيراني في العراق.
تأثير الوضع العراقي في موازين القوى التقليدية بين دول المنطقة
يعد العراق من الناحية الجيوبوليتكية المفتاح الرئيسي لتحقيق التوازن الإقليمي، وتكمن أهمية العراق في هذا المجال في أنه:
1- يقع العراق في قلب منطقة الشرق الأوسط الكبير، ويعد (الترموميتر) الرئيسي لقياس مدى استقرار المنطقة.
2- يشكّل بوابة العرب الشرقية والمدخل الرئيسي لدول التماس الأولى مع الجانب العربي من ناحية الشرق (إيران) ومن ناحية الشمال (تركيا).
3- لطالما لعب دوراً مهماً في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويؤثّر وضع العراق بما له من أهمية في المنطقة الممتدة من إيران وحتى مصر.
ولا شك في أن احتلال أمريكا للعراق عام 2003 أطاح بميزان القوّة (Balance Of Power) الذي كان قائماً بشكل من الأشكال في المنطقة. وعلى الرغم من هشاشة هذا التوازن نظراً لتآكل القدرات العراقية منذ عام 1990، إلا أن الوضع تدهور لصالح دول إقليمية أخرى بعد الاحتلال أبرزها إيران وتركيا وإسرائيل.
وإذا كان التفوق العسكري الإسرائيلي يخرج عن إطار حسابات توازن القوى الإقليمية بالمعنى التقليدي لحرص واشنطن الدائم على إبقاء إسرائيل على مسافة بعيدة عن منافسيها عبر ضمان ما يسمى التفوق العسكري النوعي لتل أبيب، فإن وضع العراق اليوم أوجد نوعاً من توازن القوى في القدرات العسكرية التقليدية بين إيران وتركيا وفجوة بين إيران ودول الخليج، مع تفوق إيراني ملحوظ على كافة الدول السابقة في مجال القدرات اللا-تناظرية (Asymmetric Capabilities) وبناء الأذرع الإقليمية والدفاع عن البلاد خارج حدودها.
إذ ساهم سقوط العراق في إيجاد فراغ في المنطقة وأعطى المجال لقوى أخرى للبروز، ولأن العراق سيبقى ضعيفاً إلى فترة غير قصيرة بعد الانسحاب الأمريكي، ولأن مستقبل العراق السياسي غير محسوم بالنظر إلى القطيعة التي حدثت بين العراق الوطني القومي العروبي تاريخياً وبين المرحلة الحالية ، فإن التوازن في ميزان القوى في المشرق العربي يميل لصالح إيران وتركيا.
وإذا كانت السياسة التركية الخارجية الحالية تحول دون إظهار هذا الخلل في توازن القوى بين تركيا ودول المشرق العربي (الخليج وبلاد الشام) على أنه تهديد مباشر للدول العربية، فإن الخلل في ميزان القوى بين إيران والدول العربية نتيجة لسقوط العراق مترافقاً مع دور إيران المزعج وسياستها الخارجية المزعجة والعدوانية والانتهازية تجاه العرب، وتطويرها قدرات هجومية متمثّلة في ترسانة صواريخ بالستيّة وبرنامج نووي وقدرات لا تناظرية ذاتية أو إقليمية (أذرع إيران في الدول العربية)، كل ذلك أدى إلى إظهار إيران على أنّها خطر مباشر لا سيما على دول مجلس التعاون الخليجي.
ومن هذا المنطلق تحاول دول مجلس التعاون الخليجي إعادة التوازن في ميزان القوى من خلال تحقيق الردع عبر القيام بصفقات تسلّح ضخمة بمليارات الدولارات ورفع معدّلات الإنفاق العسكري بما يضمن تحقيق هذا الهدف. وتركز دول المجلس عموماً في مشترياتها الدفاعية على الأنظمة الدفاعية المضادة للصواريخ البالستيّة كنظام الدفاع الصاروخي المتطور (THAAD) وأنظمة الدفاع الصاروخي الجوي المتقدّمة (Patriot PAC-3) وأنظمة دفاع صاروخية متعددة من فئة (Patriot) يجري العمل على تحديثها وتطويرها بشكل يحد من مخاطر الصواريخ البالستيّة الإيرانية.
كما تركز دول المجلس على قدراتها الجويّة لا سيما المملكة العربية السعودية التي كانت أتمت سابقاً صفقة شراء 100 مقاتلة (Eurofighter Typhoon) بحوالي أكثر من 40 مليار دولار تتضمن الأسلحة والصيانة والتدريب أيضاً، وكذلك الإمارات التي تسلمت أكثر من 80 طائرة مقاتلة (F-16E) خلال الخمس سنوات الماضية.
جهود التوازن قد تتحوّل إلى سباق تسلّح
تسعى إدارة الرئيس أوباما وفق التقارير الأمريكية الصادرة في شهر سبتمبر 2010، إلى إقناع الكونغرس بعقد أكبر صفقة تسلّح يقوم بها على الإطلاق بقيمة تقريبية تبلغ 60 مليار دولار مع المملكة العربية السعودية على أن تتضمن بيع المملكة 84 طائرة مقاتلة (F-15 SA)، تحديث وتطوير 70 طائرة قاذفة (F-15S)، بيع 72 طائرة هليكوبتر (UH-60)، سفن وزوارق دورية حاملة للحوامات متطورة، تطوير 96 صاروخاً مما تمتلكه المملكة في نظام الدفاع الصاروخي (Patriot Advanced Capability 2).
ومن الواضح أن هذه الصفقة تأتي في سياق تطمين واشنطن للمملكة ودول مجلس التعاون الخليجي إزاء الالتزام بجهود تحقيق توازن القوى في المنطقة بعد الانسحاب من العراق وذلك في وجه إيران بالتحديد. لكن المثير للاهتمام أن هذه الصفقة أثارت إسرائيل التي اعتبرتها إخلالاً بالتفوق النوعي الذي تمتلكه لصالح المملكة خاصة في ما يتعلق بالتكنولوجيا المرتبطة بسلاح الجو والطائرات المقاتلة لدرجة أنّها اعتبرت أن من شأن هذه الصفقة (إن تمت) أن تجعل من المملكة تهديداً محتملاً لإسرائيل، ولذلك تسعى تل أبيب حالياً إلى تعطيل هذه الصفقة أو الحد من نوعية التكنولوجيا المنقولة من خلالها إلى السعوديين أو السعي لامتلاك تكنولوجيا أحدث.
وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية التركية الجديدة (مبادئ أوغلو) تبحث عن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط عموماً وفي محيط تركيا خصوصاً (تصفير النزاعات)، وعلى الرغم أيضاً من أن وثيقة الأمن القومي (ذات طابع سري) التي رشحت عنها معلومات في أغسطس الماضي تشير إلى سحب تركيا كل من إيران واليونان وروسيا والعراق من قائمة الأعداء المهدّدين لأمن تركيا تماشياً مع السياسة الخارجية الجديدة للبلاد، إلا أن هذا التطور لم يحل -وعلى عكس ما كان البعض يتوقع- دون زيادة أنقرة لإنفاقها العسكري وتطوير قدراتها الدفاعية.
فوفقاً لمجموعة الدراسات الاستراتيجية الدولية، أنفقت تركيا في العامين الماضيين حوالي 20.1 مليار دولار أي بمعدّل 10 مليارات سنوياً. ومن المرشّح أن يتزايد هذا الرقم تدريجياً حتى عام 2015، حيث من المتوقع أن تشهد ثلاثة برامج عسكرية تركيّة نشاطاً متزايداً تتضمن صفقة بقيمة 13 مليار دولار لاستلام 100 طائرة مقاتلة (F-35 Lightning II) المعروفة أيضاً باسم (Joint Strike Fighter)، وصفقة بقيمة حوالي 3 مليارات دولار لاستلام 50 مروحية مقاتلة (A129) المصنّعة بشراكة إيطالية-إنكليزية، بالإضافة إلى صفقة تتضمن تعاوناً مع ألمانيا لإنتاج 4 غواصات متطورة تعمل على الديزل.
وفي تفسير هذا التناقض، يرى بعض المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى وفق ما نقلته صحيفة (حريّت) الشهر الماضي أن (شراء الأسلحة ليس للاستعمال وإنما للردع، فهناك حاجة لكي يكون الردع قوياً فعلاً بحيث يقتنع الأعداء المحتملون بعدم جدوى شن أي اعتداء).
وفي هذه المعضلة الإقليمية، يسعى كل طرف من الأطراف المتمثلة في إيران ودول مجلس التعاون الخليجي وتركيا وإسرائيل إلى زيادة قدراته بما يضمن ردعاً متفوقاً على الآخرين ويحقق التوازن المطلوب، لكن مخاطر متابعة هذه السياسة قد تتمثّل في تحوّل الأمر إلى سباق تسلّح تقليدي إن لم يتحوّل بالفعل.
والأخطر من ذلك الخشية من أن يتغيّر ميزان القوة في المنطقة كليّاً مع حصول إيران على السلاح النووي. إذ من شأن حصول طهران على السلاح النووي أن يغيّر كل المعطيات الحالية ويقلب المعادلة بما يؤدي إلى تقويض الردع التقليدي بحيث تفقد الصفقات الحالية قيمتها الاستراتيجية كعنصر ردع، وهو الأمر الذي إن تم، سيدفع من دون شك الطرف العربي والتركي للسعي لامتلاك أسلحة نووية ذاتية، وعندها نكون قد دخلنا في إمكانية حصول سباق تسلّح نووي في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً وسخونة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1131::/cck::
::introtext::
تاريخياً، لعب العراق الوطني القومي العروبي دوراً رئيسياً في تحقيق التوازن الإقليمي. إذ لطالما كان قادراً رغم الضعف الذي اعتراه في فترات مختلفة على المحافظة على شكل من أشكال هذا التوازن مع محيطه القريب الذي يضم إيران وتركيا ونوعاً ما مع المحيط البعيد المتمثّل في إسرائيل. لكنّ حرب الخليج الثانية ومن بعدها الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وما ألحقه من تدمير لخصائص الكيان العراقي ومؤسسات الدولة، أدت إلى فراغ إقليمي انعكس خللاً في التوازن الذي كان سائداً –رغم هشاشته- بين مختلف القوى في المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
تاريخياً، لعب العراق الوطني القومي العروبي دوراً رئيسياً في تحقيق التوازن الإقليمي. إذ لطالما كان قادراً رغم الضعف الذي اعتراه في فترات مختلفة على المحافظة على شكل من أشكال هذا التوازن مع محيطه القريب الذي يضم إيران وتركيا ونوعاً ما مع المحيط البعيد المتمثّل في إسرائيل. لكنّ حرب الخليج الثانية ومن بعدها الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وما ألحقه من تدمير لخصائص الكيان العراقي ومؤسسات الدولة، أدت إلى فراغ إقليمي انعكس خللاً في التوازن الذي كان سائداً –رغم هشاشته- بين مختلف القوى في المنطقة.
وقعت الولايات المتّحدة الأمريكية في فترة ولاية جورج بوش الابن الثانية بمأزق كبير في العراق نتيجة لازدياد الخسائر المادية والبشرية التي تعرّضت لها إثر ارتفاع منسوب عمليات المقاومة العراقية، فضاقت خياراتها وأصبحت أمام واقع يقتضي منها:
* إمّا الخروج من العراق فوراً وهو ما يعني اعترافاً صريحاً بالهزيمة مع ما يتركه هذا من تداعيات مدمّرة ونتائج عكسية خطيرة قد تؤدي إلى سيطرة إيران المباشرة على العراق وتدحرج الفوضى وانهيار أنظمة مجاورة وتضرر المصالح الأمريكية بشكل أكبر في المنطقة والموقع الأمريكي في العالم.
* أو تحمّل هذه الخسائر وكل ما ينجم عنها من تداعيات على قدرة واشنطن المالية والعسكرية وعلى وضعها إقليمياً ودولياً ومحاولة إعادة ضبط الوضع في العراق قدر الإمكان قبل الخروج، وذلك لتحاشي الجزء الأكبر من النتائج الكارثية التي من الممكن أن تحدث فيما لو تمّ اعتماد الخيار الأول.
وبالفعل مضت الولايات المتّحدة في الخيار الثاني، فقامت بزيادة قوّاتها هناك في عام 2007 على أمل أن تحقق حداً أدنى من الاستقرار يخوّلها نقل السلطات بشكل تدريجي إلى القوات العراقية لإمساك زمام الأمور، ويتيح الوقت المناسب لها لترتيب أوراقها للانسحاب بشكل مقبول ولائق.
حقائق ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق 2010
وقد جاءت سياسة الرئيس باراك أوباما منسجمة مع هذه الخطّة فتابعها حتى أعلنت القوات الأمريكية في نهاية شهر أغسطس 2010 عن انسحاب آخر كتيبة مقاتلة لها في العراق (كتيبة سترايكر المتمركزة في أبو غريب، 25 كلم غرب بغداد) وعن بقاء ما يقارب 50 ألف جندي تقريباً تنحصر مهامهم بعمليات تدريبية واستشارية ولوجستية على أن يتم سحبهم وفق الاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد نهاية عام 2011.
ولا شك في أن هذه الخطوة التي كلّفت الولايات المتّحدة حتى تاريخه وفق الناطق باسم وزارة الخارجية فيليب كراولي مقتل 4400 أمريكي وحوالي ألف مليار دولار، تركت فراغاً سياسياً وأمنياً في العراق نتيجة لعدم الاستقرار السياسي والنزاع الحاصل بين مختلف التيارات الداخلية على السلطة والحكم، وأيضاً نتيجة لعدم جهوزية الجيش العراقي وقوى الأمن بشكل مناسب لمواجهة أي تداعيات كبرى داخلية أو خارجية، فالقوى الرسمية العراقية أعجز من أن تدافع عن نفسها بوضعها الحالي، ناهيك عن أن تحمي الأراضي العراقية.
ويحتاج العراق وفق العديد من التقارير إلى سنوات عديدة لإعادة بناء قدراته العسكرية والأمنية بحدّها الأدنى بشكل يسمح له بالدفاع عن أمنه وحدوده بنفسه، بل إن البعض يشير إلى أن العراق لن يكون قادراً على الاستغناء عن القوات الأمريكية حتى عام 2020م، ومنهم رئيس أركان الجيش العراقي بابكر زيباري الذي يرى أن ملف القوتين الجوية والبحرية سيبقى مع الأمريكيين لغاية عام 2020م.
أمام هذا الواقع الذي يتمثّل في الفراغ السياسي والأمني الداخلي والضعف العسكري العراقي، تبدو إيران الرابح الأكبر -إلى الآن- في لعبة توازن القوى في المنطقة. وفي الوقت الذي تبحث فيه كل من سوريا وتركيا عن دور جديد في العراق، تعد دول مجلس التعاون الخليجي الخاسر الأكبر، فقد خرجت هذه الدول من اللعبة العراقية لوقت طويل، وتعاني من تداعيات هذا الخروج اليوم مع انسحاب القوات الأمريكية، حيث تزداد مخاوفها من أن يمتد التأثير الإيراني إلى أراضيها عبر تجمّعات طائفية معيّنة أو من خلال التهديد العسكري المتعاظم.
نفوذ اللاعبين الإقليميين على الساحة العراقية
تقليدياً يشكّل العراق العربي القوي كابوساً للإيرانيين، ومع انهياره أخذ التمدد الإيراني مداه. فلإيران نفوذ قوي في عراق اليوم سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ومن المفارقات المثيرة أن الولايات المتّحدة كانت صاحبة الفضل الوحيد في زيادة نفوذ إيران الإقليمي والإخلال الكبير في ميزان القوى بين الدول الرئيسية في المنطقة لا سيما بعد احتلال أفغانستان في عام 2001 والعراق في عام 2003.
وتتمتّع طهران الآن بأفضليّة ملحوظة في الداخل العراقي على سائر اللاعبين الإقليميين. وأمام هذا الواقع، يسعى المثلث التركي ـ السوري ـ السعودي باعتقادنا إلى موازنة الدور الإيراني في الداخل العراقي كلّ من منطلقاته الخاصة.
أولاً: بالنسبة للأتراك، يهمّهم الوضع الكردي في العراق سواء لجهة نشاطات حزب العمال الكردستاني وكيفية محاصرته ومحاربته بدعم من السلطة المركزية في بغداد وبحد أدنى من الأضرار وبما يحول دون دخول القوات التركية إلى شمال العراق.
كما يهمّهم ألا يتغيّر وضع كركوك وألا تتطوّر الاستقلالية في الحالة الكردية العراقية بما يسمح باستخدام كردستان العراق كقاعدة لعمل المنافسين الإقليميين (استخبارات إيران وإسرائيل ضد المصالح التركية) أو المجاهرة بالمطالبة بدولة مستقلة في العراق.
لذلك فالأتراك حريصون على اندماج كافة مكونات الشعب العراقي، وقد كان ومازال لهم دور قوي في تشجيع السنّة على المشاركة في العملية السياسية للحيلولة دون تهميشهم أو استئثار الشيعة بالسلطة بما يخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. وهم حريصون أيضاً على وحدة واستقلال العراق وضرورة وجود سلطة مركزية قوية في بغداد، ولذلك يبحثون عن شركاء إقليميين قادرين على الالتقاء معهم في تحقيق هذه الأهداف وبما يتناسب أيضاً مع السياسة الخارجية الإيجابية الجديدة لحزب العدالة والتنمية أو ما يعرف برؤية وزير الخارجية الحالي أحمد داوود أوغلو لدور تركيا وسياستها الخارجية.
ثانياً: بالنسبة لسوريا، لا شك في أن لدمشق حساباتها الخاصة في العراق أيضاً، فهي لا تريد من البلاد أن تنزلق كلياً إلى حضن الحليف الإيراني كي لا تذهب الكعكة كلها إلى إيران من جهة، ولكي يبقى لها دور تمارسه وتستفيد منه في بغداد، ولذلك فهي حرصت في الفترة السابقة على استضافة بعض ممن يسمون قيادات بعثية سابقة، كما أنها حرصت على إبقاء علاقاتها مع السنة العرب تحت أبواب وشعارات مختلفة منها (مقاومة المحتل) ، ولا تريد أن تبدو منحازة كلياً إلى الطيف الشيعي بما يؤثر في وضع النظام داخل سوريا حيث الأغلبية السنيّة الساحقة.
حالياً وبعد انسحاب القوات الأمريكية، يبدو أن الوضع العراقي ودور دمشق فيه يخضع لمساومة مع الطرف الأمريكي على صفقة أوسع تشمل دور سوريا في لبنان وفلسطين وأماكن أخرى. فبعد أن كانت سياسة التوتير المضبوط وصناعة عدم الاستقرار مصلحة سورية في عهد بوش الابن، يبدو أن دور دمشق آخذ في التغيّر ولو مؤقتاً لصالح دعم الاستقرار في هذه الساحات مقابل انفتاح وتطبيع أكبر في العلاقات مع أمريكا وأوروبا والانعتاق من حصرية الخط الإيراني وفتح خيارات أوسع على مختلف اللاعبين من دون الانفكاك كلياً عن محور طهران إلى الآن، ومن ضمنها حجز مقعد على طاولة المفاوضات مع إسرائيل وبرعاية تركيّة مرة أخرى على الأرجح.
ثالثاً: في الحسابات السعودية، تلتقي سياسة دمشق في (دعم الاستقرار) و(التواصل مع السنة) مع سياسة ومصالح تركيا التي سبق وشرحناها مع سياسة المملكة العربية السعودية، خاصة إذا ما علمنا أن المملكة كانت السبّاقة في استشراف هذا الوضع والعمل على تدارك تداعياته في وجه التغلغل الإيراني عندما لعب الملك عبدالله بن عبدالعزيز دوراً تاريخياً في المصالحة العربية-العربية ووضعها عملياً على الخط السليم بالانفتاح على سوريا، الأمر الذي سمح فيما بعد لمختلف الأطراف الإقليمية والدولية بانفتاح مماثل على دمشق (فرنسا وأمريكا). وتخشى المملكة من انزلاق كلي للعراق إلى الحضن الإيراني والنتائج الكارثية لهذا الانزلاق على دول مجلس التعاون الخليجي وعلى المنطقة. ورغم أن المملكة دعمت عمليات مكافحة الإرهاب كونها متضرراً رئيسياً منه، إلا أن علاقاتها مع السلطات العراقية في عهد الجعفري وأيضاً المالكي لم تكن على خير ما يرام وهي ترى الغبن والتهميش والقمع الذي تعرّض له سنّة العراق تحت دعاوى مختلفة. وما زاد الموقف صعوبة الضغوط المتزايدة للداخل في الدول المجاورة للعراق بالتدخل لإنصاف السنّة العرب والمساعدة على تحقيق توازن مع النفوذ الإيراني في العراق.
تأثير الوضع العراقي في موازين القوى التقليدية بين دول المنطقة
يعد العراق من الناحية الجيوبوليتكية المفتاح الرئيسي لتحقيق التوازن الإقليمي، وتكمن أهمية العراق في هذا المجال في أنه:
1- يقع العراق في قلب منطقة الشرق الأوسط الكبير، ويعد (الترموميتر) الرئيسي لقياس مدى استقرار المنطقة.
2- يشكّل بوابة العرب الشرقية والمدخل الرئيسي لدول التماس الأولى مع الجانب العربي من ناحية الشرق (إيران) ومن ناحية الشمال (تركيا).
3- لطالما لعب دوراً مهماً في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويؤثّر وضع العراق بما له من أهمية في المنطقة الممتدة من إيران وحتى مصر.
ولا شك في أن احتلال أمريكا للعراق عام 2003 أطاح بميزان القوّة (Balance Of Power) الذي كان قائماً بشكل من الأشكال في المنطقة. وعلى الرغم من هشاشة هذا التوازن نظراً لتآكل القدرات العراقية منذ عام 1990، إلا أن الوضع تدهور لصالح دول إقليمية أخرى بعد الاحتلال أبرزها إيران وتركيا وإسرائيل.
وإذا كان التفوق العسكري الإسرائيلي يخرج عن إطار حسابات توازن القوى الإقليمية بالمعنى التقليدي لحرص واشنطن الدائم على إبقاء إسرائيل على مسافة بعيدة عن منافسيها عبر ضمان ما يسمى التفوق العسكري النوعي لتل أبيب، فإن وضع العراق اليوم أوجد نوعاً من توازن القوى في القدرات العسكرية التقليدية بين إيران وتركيا وفجوة بين إيران ودول الخليج، مع تفوق إيراني ملحوظ على كافة الدول السابقة في مجال القدرات اللا-تناظرية (Asymmetric Capabilities) وبناء الأذرع الإقليمية والدفاع عن البلاد خارج حدودها.
إذ ساهم سقوط العراق في إيجاد فراغ في المنطقة وأعطى المجال لقوى أخرى للبروز، ولأن العراق سيبقى ضعيفاً إلى فترة غير قصيرة بعد الانسحاب الأمريكي، ولأن مستقبل العراق السياسي غير محسوم بالنظر إلى القطيعة التي حدثت بين العراق الوطني القومي العروبي تاريخياً وبين المرحلة الحالية ، فإن التوازن في ميزان القوى في المشرق العربي يميل لصالح إيران وتركيا.
وإذا كانت السياسة التركية الخارجية الحالية تحول دون إظهار هذا الخلل في توازن القوى بين تركيا ودول المشرق العربي (الخليج وبلاد الشام) على أنه تهديد مباشر للدول العربية، فإن الخلل في ميزان القوى بين إيران والدول العربية نتيجة لسقوط العراق مترافقاً مع دور إيران المزعج وسياستها الخارجية المزعجة والعدوانية والانتهازية تجاه العرب، وتطويرها قدرات هجومية متمثّلة في ترسانة صواريخ بالستيّة وبرنامج نووي وقدرات لا تناظرية ذاتية أو إقليمية (أذرع إيران في الدول العربية)، كل ذلك أدى إلى إظهار إيران على أنّها خطر مباشر لا سيما على دول مجلس التعاون الخليجي.
ومن هذا المنطلق تحاول دول مجلس التعاون الخليجي إعادة التوازن في ميزان القوى من خلال تحقيق الردع عبر القيام بصفقات تسلّح ضخمة بمليارات الدولارات ورفع معدّلات الإنفاق العسكري بما يضمن تحقيق هذا الهدف. وتركز دول المجلس عموماً في مشترياتها الدفاعية على الأنظمة الدفاعية المضادة للصواريخ البالستيّة كنظام الدفاع الصاروخي المتطور (THAAD) وأنظمة الدفاع الصاروخي الجوي المتقدّمة (Patriot PAC-3) وأنظمة دفاع صاروخية متعددة من فئة (Patriot) يجري العمل على تحديثها وتطويرها بشكل يحد من مخاطر الصواريخ البالستيّة الإيرانية.
كما تركز دول المجلس على قدراتها الجويّة لا سيما المملكة العربية السعودية التي كانت أتمت سابقاً صفقة شراء 100 مقاتلة (Eurofighter Typhoon) بحوالي أكثر من 40 مليار دولار تتضمن الأسلحة والصيانة والتدريب أيضاً، وكذلك الإمارات التي تسلمت أكثر من 80 طائرة مقاتلة (F-16E) خلال الخمس سنوات الماضية.
جهود التوازن قد تتحوّل إلى سباق تسلّح
تسعى إدارة الرئيس أوباما وفق التقارير الأمريكية الصادرة في شهر سبتمبر 2010، إلى إقناع الكونغرس بعقد أكبر صفقة تسلّح يقوم بها على الإطلاق بقيمة تقريبية تبلغ 60 مليار دولار مع المملكة العربية السعودية على أن تتضمن بيع المملكة 84 طائرة مقاتلة (F-15 SA)، تحديث وتطوير 70 طائرة قاذفة (F-15S)، بيع 72 طائرة هليكوبتر (UH-60)، سفن وزوارق دورية حاملة للحوامات متطورة، تطوير 96 صاروخاً مما تمتلكه المملكة في نظام الدفاع الصاروخي (Patriot Advanced Capability 2).
ومن الواضح أن هذه الصفقة تأتي في سياق تطمين واشنطن للمملكة ودول مجلس التعاون الخليجي إزاء الالتزام بجهود تحقيق توازن القوى في المنطقة بعد الانسحاب من العراق وذلك في وجه إيران بالتحديد. لكن المثير للاهتمام أن هذه الصفقة أثارت إسرائيل التي اعتبرتها إخلالاً بالتفوق النوعي الذي تمتلكه لصالح المملكة خاصة في ما يتعلق بالتكنولوجيا المرتبطة بسلاح الجو والطائرات المقاتلة لدرجة أنّها اعتبرت أن من شأن هذه الصفقة (إن تمت) أن تجعل من المملكة تهديداً محتملاً لإسرائيل، ولذلك تسعى تل أبيب حالياً إلى تعطيل هذه الصفقة أو الحد من نوعية التكنولوجيا المنقولة من خلالها إلى السعوديين أو السعي لامتلاك تكنولوجيا أحدث.
وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية التركية الجديدة (مبادئ أوغلو) تبحث عن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط عموماً وفي محيط تركيا خصوصاً (تصفير النزاعات)، وعلى الرغم أيضاً من أن وثيقة الأمن القومي (ذات طابع سري) التي رشحت عنها معلومات في أغسطس الماضي تشير إلى سحب تركيا كل من إيران واليونان وروسيا والعراق من قائمة الأعداء المهدّدين لأمن تركيا تماشياً مع السياسة الخارجية الجديدة للبلاد، إلا أن هذا التطور لم يحل -وعلى عكس ما كان البعض يتوقع- دون زيادة أنقرة لإنفاقها العسكري وتطوير قدراتها الدفاعية.
فوفقاً لمجموعة الدراسات الاستراتيجية الدولية، أنفقت تركيا في العامين الماضيين حوالي 20.1 مليار دولار أي بمعدّل 10 مليارات سنوياً. ومن المرشّح أن يتزايد هذا الرقم تدريجياً حتى عام 2015، حيث من المتوقع أن تشهد ثلاثة برامج عسكرية تركيّة نشاطاً متزايداً تتضمن صفقة بقيمة 13 مليار دولار لاستلام 100 طائرة مقاتلة (F-35 Lightning II) المعروفة أيضاً باسم (Joint Strike Fighter)، وصفقة بقيمة حوالي 3 مليارات دولار لاستلام 50 مروحية مقاتلة (A129) المصنّعة بشراكة إيطالية-إنكليزية، بالإضافة إلى صفقة تتضمن تعاوناً مع ألمانيا لإنتاج 4 غواصات متطورة تعمل على الديزل.
وفي تفسير هذا التناقض، يرى بعض المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى وفق ما نقلته صحيفة (حريّت) الشهر الماضي أن (شراء الأسلحة ليس للاستعمال وإنما للردع، فهناك حاجة لكي يكون الردع قوياً فعلاً بحيث يقتنع الأعداء المحتملون بعدم جدوى شن أي اعتداء).
وفي هذه المعضلة الإقليمية، يسعى كل طرف من الأطراف المتمثلة في إيران ودول مجلس التعاون الخليجي وتركيا وإسرائيل إلى زيادة قدراته بما يضمن ردعاً متفوقاً على الآخرين ويحقق التوازن المطلوب، لكن مخاطر متابعة هذه السياسة قد تتمثّل في تحوّل الأمر إلى سباق تسلّح تقليدي إن لم يتحوّل بالفعل.
والأخطر من ذلك الخشية من أن يتغيّر ميزان القوة في المنطقة كليّاً مع حصول إيران على السلاح النووي. إذ من شأن حصول طهران على السلاح النووي أن يغيّر كل المعطيات الحالية ويقلب المعادلة بما يؤدي إلى تقويض الردع التقليدي بحيث تفقد الصفقات الحالية قيمتها الاستراتيجية كعنصر ردع، وهو الأمر الذي إن تم، سيدفع من دون شك الطرف العربي والتركي للسعي لامتلاك أسلحة نووية ذاتية، وعندها نكون قد دخلنا في إمكانية حصول سباق تسلّح نووي في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً وسخونة.
::/fulltext::
::cck::1131::/cck::
