السياسة الخارجية الإيرانية: الفرص والمعوقات البنائية

::cck::835::/cck::
::introtext::

تتحدد أهداف الدول الساعية لحماية مصالحها القومية من خلال سياستها الخارجية، وتتأثر بالبيئة العالمية التي تتعامل معها وتتحرك فيها، وبالقوة أو القوى التي تتحكم وتوجه هذه البيئة. فالسياسة الخارجية الإيرانية، تصاغ بالضرورة في إطار الوحدة الدولية، وترمي إلى تحقيق أهدافها إزاء وحدات خارجية. ففي عصر التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال لم تعد النظم والجماعات قادرة على الانحسار داخل بوتقة خاصة أو الانغلاق على الذات. 

::/introtext::
::fulltext::

تتحدد أهداف الدول الساعية لحماية مصالحها القومية من خلال سياستها الخارجية، وتتأثر بالبيئة العالمية التي تتعامل معها وتتحرك فيها، وبالقوة أو القوى التي تتحكم وتوجه هذه البيئة. فالسياسة الخارجية الإيرانية، تصاغ بالضرورة في إطار الوحدة الدولية، وترمي إلى تحقيق أهدافها إزاء وحدات خارجية. ففي عصر التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال لم تعد النظم والجماعات قادرة على الانحسار داخل بوتقة خاصة أو الانغلاق على الذات.

إن النظام السياسي المتشكل في إثر الثورة الإيرانية 1979، كثورة أيديولوجية دينية إسلامية، شكّل قطيعة مع نظام الشاه، وأحدث تغييرات سياسية كبرى في النظام الإيراني. أما اليوم فقد حدثت تغييرات هيكلية في الظروف التاريخية والبنية الجيواستراتيجية التي كانت تعمل من خلالها إيران ما بعد أسرة بهلوي، حيث وجدت إيران نفسها في بيئة مغايرة تماماً لبيئة السبعينات، فقد اختلفت البيئة العالمية في سبعينات القرن الماضي عنها في القرن الحادي والعشرين، بما تتيحه من فرص وخيارات أمام إيران، بدأت تتضح معالمها منذ تسعينات القرن الماضي.

فرص الفعل السياسي والجيواستراتيجي:

أسهمت الحرب الأمريكية على الإرهاب في تعزيز مكانة إيران كدولة إقليمية ذات نفوذ قوي. ووفرت واشنطن لإيران فرصة مناسبة للحصول على مكانة إقليمية ودولية. فبعد الإطاحة بنظامين (العراق وأفغانستان) كانا يشكلان تهديداً مباشراً لطهران، تمت مكافأة إيران بإطلاق يدها في العراق ولبنان، وأصبح لها نفوذ في مناطق أخرى مهمة، مثل غزة، وآسيا الوسطى، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية. فقد استغلت إيران انهيار النظام العراقي وانشغال أمريكا في حربها في العراق، لتتحول إلى القوة الإقليمية الأبرز، وإلى فاعل سياسي في المنطقة لا يمكن تجاوزه. وهكذا أصبحت إيران- والحالة هذه- طرفاً مهماً في تشكيل النظام العراقي الجديد، حيث تسعى إلى أن يكون النظام العراقي الجديد غير معادٍ لها أو أن يكون مؤيداً أو متعاطفاً معها. فبعد أن كان النظام العراقي السابق يشكل تحدياً أمام حرية الفعل الإيراني لتحقيق دور إقليمي، باتت اليوم أمام إيران الفرص متاحة بشكل كبير.

والأهم هو، أن هذه البيئة الدولية والإقليمية، فتحت فرصاً كبرى أمام إيران للتحرك باتجاه تطوير برنامج نووي. كما أن هذا البرنامج النووي أكسب الطبقة الدينية القابضة على الحكم، شرعية ساعدتها على الاستمرار وبسط سيطرتها على الداخل بالطريقة التي تنسجم وتتماشى مع تصوراتها، وتثبيت نظام الحكم ومبادئ الثورة. كما أن هذا التعنت الإيراني أمام الأمريكيين أكسبها شرعية إقليمية عند البعض، مما أكسبها سيطرة على بعض الدول وقوى الممانعة لتتماشى مع تصورات الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمنطقة، وتدور في فلكها.

أضف إلى ذلك، أن حرب واشنطن على الإرهاب، وتحطيم النظامين العراقي والأفغاني، جعلا إيران طرفاً في أي حوار أمريكي يخص العراق وأفغانستان. وبالفعل لقد أجرى (2001-2002) دبلوماسيون أمريكيون وإيرانيون، مع مسؤولين من دول أعضاء في الأمم المتحدة، في بون العاصمة السابقة لألمانيا، لقاءات في إطار محادثات متعددة الأطراف حول تشكيل حكومة جديدة ووضع دستور جديد لأفغانستان. وناقش (2007-2008) كل من السفير الأمريكي لدى العراق براين كروكر مع نظيره الإيراني حسن كاظمي قمي، أعمال العنف في العراق. وأجريت ثلاث جلسات أخرى من تلك المحادثات منذ عام 2008، برعاية وزارة الخارجية العراقية. وفي مارس 2009، أجرى ريتشارد هولبروك المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان وباكستان، (حديثاً موجزاً وودياً) مع ممثل إيران خلال مؤتمر دولي حول أفغانستان وغيرها من اللقاءات والمشاورات التي تجري بين الأمريكيين والإيرانيين لتقرير مستقبل العراق وأفغانستان.

ويتضح من ذلك أن إيران استطاعت بسط نفوذها الإقليمي، وأمست طرفاً في تشكيل مستقبل العراق وأفغانستان، ومؤثرةً في الوضع السياسي في لبنان وفلسطين. وهو ما ينبئ بأن إيران قد تكون لاعباً أساسياً في تشكيل الشرق الأوسط الكبير.

وعموماً إن الحرب الأمريكية على الإرهاب، والمأزق الأمريكي في العراق وأفغانستان، واستنزاف القدرات الأمريكية، وعدم قدرتها على ضرب أي بلد آخر، ناهيك عن مناطق التوتر الأخرى، والأزمة المالية العالمية، كل ذلك ترك فراغاً، وفتح فرصاً كبرى أمام حرية الحركة والفعل الإيرانيين، مما جعلها طرفاً في تشكيل سياسة المنطقة، وقوة رئيسية على المستوى الإقليمي ترمي إلى إحداث تغييرات جذرية تؤدي إلى إضعاف الدور الخليجي والعربي.

التحديات والمعوقات البنائية السياسية والجيواستراتيجية:

إن الواقع السياسي والجيواستراتيجي، لا يتكون فقط من معاني الفاعلين السياسيين، أو من خلال الإرادة الذاتية للفاعل، وإنما هناك عوامل بنائية أو (موضوعية) تمارس تأثيراً طاغياً على الفاعل وتصوراته، وتمارس أيضاً قهراً على دوره. فالفعلان السياسي والجيواستراتيجي، يتأثران إلى حد كبير، بل يتشكلان ويصاغان بواسطة العوامل البنائية (السياسية والجيواستراتيجية). ليست العلاقة أحادية ولا يمكن التعبير عنها في ضوء تعميمات لها سمة القانون وعموميته. ومن دون الخوض في النقاش العويص حول العلاقة بين الفعل والبناء، أو بين الذات والموضوع، نقول في ما يخص موضعنا، إن الفعل السياسي الإيراني، والإرادة الذاتية لإيران، لا يمكنهما أن يتحررا تماماً من تأثير ظروف البناء السياسية والجيواستراتيجية والعوامل البيئية سواء أكانت المحلية أم العالمية. فأشكال السيطرة، والقوة والأيديولوجيا، والهيمنة الأحادية الأمريكية على العالم، ناهيك عن علاقة إيران بدول الجيران، والصين وروسيا وغيرهما من دول العالم، كل هذه العوامل تحد من حرية الحركة، وتفرض على إيران السير وفق هذه العوامل البنائية، وأن تعمل وفق ما هو مناسب ومتاح، آخذة في اعتبارها كل هذه العوامل وفق حسابات دقيقة.

نعم إن سقوط النظامين العراقي والأفغاني، جعل إيران أمام فرص متعددة، لكنه في الوقت نفسه فرض عليها تحديات. فقد أصبحت إيران أكثر من أي وقت مضى عرضة للضغوط الأمريكية، وبمختلف الوسائل لمنعها من البروز كقوة إقليمية، لأن واشنطن لن تسمح ببساطة ببروز قوة إقليمية معادية لها، كما جعلها في موضع الخطر المباشر، وخاصة أن واشنطن أصبحت على حدود إيران الشرقية في أفغانستان، وشمالاً في جوار بحر قزوين في أكثر من دولة من دول الاتحاد السوفييتي السابق، كما أن جارتها باكستان دولة نووية ولها علاقة جيدة مع واشنطن، وهي تسير باتجاه علاقات مماثلة مع إسرائيل، كذلك الأمر مع تركيا. أما في جنوبها، وبفعل مصالح واشنطن الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وحماية أمن إسرائيل وتدفق النفط، كل ذلك جعل وجود واشنطن العسكري أكبر وأضخم من أي منطقة أخرى، ناهيك عن العلاقات العربية- الإيرانية المتوترة أصلاً. ولعل أبرز ما يوضح القلق الإيراني من الوجود العسكري الأمريكي في جوارها هو ما عبرت عنه الرسالة التي أرسلت من قِبل (153) نائباً إلى البرلمان الإيراني حيث أشارت إلى (أنه في أعقاب وضع القوات الأمريكية في أفغانستان واحتلال العراق فقد وصل التهديد إلى حدودنا).

كل هذه العوامل تشكل معوقات بنيوية أمام إيران، تجعلها أكثر عرضة للمخاطر. وهذه المعوقات البنائية تدفع طهران، قسراً، باتجاه إقامة علاقات مع واشنطن كما سبق الإشارة، أهميتها ترجع إلى تخفيف حدة التوتر بينها وبين واشنطن، بالإضافة إلى أن هذه المشاورات المباشرة تسمح لواشنطن بالاطلاع مباشرة على وجهة النظر الإيرانية وبخاصة عندما تتوتر العلاقة بينهما. أضف إلى ذلك أن هذه المشاورات واللقاءات السرية التي تجرى من خلف (الأبواب المغلقة)، تساعد إيران على إيصال رأيها إلى إسرائيل، ففي هذه الحالة تلعب واشنطن دور الوسيط بين إيران وإسرائيل. كما أن هذه اللقاءات تقوي من الأمل في تحسين العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية. وهي بالفعل لعبت دوراً في استمرارية النظام الإيراني المتشكل في إثر الثورة الإيرانية 1979. فمشاورات إسرائيل وإيران في عقد الثمانينات بخصوص صفقة الأسلحة، والمشاورات الأمريكية – الإيرانية بخصوص الرهائن، عززتا الأمل في إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، وخاصة أن إسرائيل استمرت بالعمل في إعادة علاقاتها مع النظام الإيراني الجديد وحاولت عبر وسطاء لإعادة هذه العلاقة. خلاصة ذلك أن هذه المعوقات البنائية تدفع طهران قسراً إلى التحاور من خلف (الأبواب المغلقة)، حتى تحافظ على وجودها.

لم تشكل إيران الثورة (1979) أي خطر أيديولوجي على النظام الدولي آنذاك وتصوراته الفلسفية. ولم تكن بديلاً أيديولوجياً أمام الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية. فقد رأت واشنطن أنه ربما تشكل الأيديولوجية الإسلامية الإيرانية، التي تتعارض مع الماركسية أو الاشتراكية، فرصة لتحسين العلاقات مع أمريكا، أو قد تندفع إيران إلى التحالف الغربي بسبب الخطر الشيوعي المتربص على حدودها الشمالية. وحتى عندما تأكدت واشنطن من خطأ هذه التصورات، لم تستطع فعل أي شيء ضد إيران لإعادتها إلى التحالف الغربي. والسبب في ذلك أن النظام الدولي آنذاك، جعل الخيارات أمام واشنطن محدودة أو معدومة، وبخاصة أن إيران تقبع جنوب الاتحاد السوفييتي. كما أن أي إجراء أمريكي ضدها قد يدفعها إلى التحالف مع الاتحاد السوفييتي. أما الآن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية القرن الماضي، فأصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم بل ربما أكبر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية على الإطلاق في تاريخ البشرية، وأصبحت أيضاً الأيديولوجية الإسلامية موصومة بالإرهاب، ووصفت السياسة الأمريكية إيران بالدولة التي تساند الإرهاب وتضعها ضمن دول (محور الشر). فالأيديولوجية الإسلامية التي لعبت دوراً في الحفاظ على إيران الثورة، كما أصبحت الآن تشكل أحد المخاطر على إيران في ظل الحرب على الإسلام والمسلمين، وأصبحت أيضاً أية دولة ترفع شعارات إسلامية توصم بالإرهاب، كما أن هذا البعد الأيديولوجي حاضر في المسألة النووية الإيرانية.

فالولايات المتحدة الأمريكية تتصور أن امتلاك إيران للرادع النووي سوف يجعلها تشعر بأنها لم تعد معرضة للخطر المباشر من أي انتقام عسكري تقليدي، فهي تستطيع أن تعود إلى السياسات العدوانية والسياسة الخارجية المقاومة للوضع الراهن التي اتبعتها إبان الثورة الإيرانية. وعلى هذا النحو قد تتصرف إيران على ضوء تحقيق تصوراتها الأيديولوجية للشرق الأوسط الإسلامي، وفي دعمها للجماعات الأصولية، بالإضافة إلى أنها قد تعطي هذه الأسلحة للإرهابيين. وكما يقول هنري كسنجر في إحدى كتاباته (إن الدول ذات الدوافع الأيديولوجية تميل إلى تطبيق سياسة خارجية نشطة ذات مخططات كبرى، من العسير تحقيقها، كما تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام العالمي القائم).

وإذا كان الفراغ في المنطقة لعب دوراً في صعود إيران كقوة إقليمية، فقد لعب أيضاً دوراً في صعود قوى إقليمية كتركيا، التي لها مصالح لا تقل أهمية عن مصالح إيران، وقد تتعارض مصالحهما مستقبلاً، وهو ما يشكل معوقاً بنائياً أمام تمدد النفوذ الإيراني.

إن الانخراط الإيراني التام بالسياسة الإقليمية والدولية له تكاليفه الباهظة. وهنا تثار التساؤلات: ما التكاليف والفوائد المحتملة لهذا الانخراط؟ وما هي المعوقات البنائية التي يوفرها هذا الانخراط؟ الموقف العقلاني هو ما يجلب أكبر درجة من الإشباع والمنفعة، وأكفأ وسيلة للوصول إلى الأهداف المرجوة في مواقف معينة وفي زمان ومكان مناسبين. فتزايد الأعباء العسكرية والأمنية والسياسية لإيران في الخارج مع مرور الوقت يأتي بتكاليف باهظة وقد يختل التوازن بين أعباء الأمن وانخراط بالسياسة الإقليمية والدولية المتزايد، وقدرتها على الحفاظ على قاعدة تقنية واقتصادية تلبي الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيها. وبالفعل فإيران تواجه وضعاً داخلياً مأزوماً تمظهر مع المعارضة الإيرانية المتجسدة في الحركة الخضراء وهي تمثل نقطة ضعف في النظام الإيراني. كما أن إيران بلد نام، ويعاني من معضلات اقتصادية وبيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد. فضلاً عن ذلك، تأخذ المعارضة على النظام أنه مفرط في سياسته الخارجية، وهذا الإفراط هو الذي يجلب المواجع داخلياً، لأنها تبدد أموال الشعب.

وبينما تفتح العولمة بدورها فرصة أمام الدول، فهي تشكل أيضاً تحديات غير مسبوقة أمام النظم السياسية في الشرق الأوسط، وهي ظاهرة لا يقتصر تأثيرها على السياسة الخارجية لهذه الدول، بل تشمل كل السياسات العالمية. وبالإشارة إلى إيران، فهي تفتح فرصاً وخياراتٍ أمام الفرد والمجتمع لتفلت من قبضة النظام الديني، الذي بدأت تتضح معالمه منذ تسعينات القرن الماضي.

فقد شاعت الظاهرة المعروفة إيرانياً بـ (الحجاب السيئ)، أي عدم التزام النساء بمقاييس (الشادور)، والإقبال على الحجاب المزركش الذي يظهر رأس المرأة، وانتشار الزي الغربي بين الشباب الإيراني، وإطالة شعر الرأس، وثقب الأذن، وتعليق الجماجم فوق الصدور. فبعد أن استطاعت الطغمة الحاكمة أن تفرض سوراً واقياً أمام الخارج للعبور إلى الفرد والمجتمع الإيراني، بات اليوم الخارج- في اختزال للزمن والمكان- حاضراً في غرف نوم الإيرانيين. فقد باتت البلاد هي الطرف المتلقي أو المستقبل لكل منتجات الحضارة الغربية. وبالتالي فقد فرض الآخر المختلف ثقافته وحضارته على الفرد والمجتمع الإيرانيين. فالعولمة الثقافية باتت تشكل هاجساً يؤرق النظام الأيديولوجي، فثمة حراك اجتماعي دائب تشهده إيران حالياً يضغط من أجل التغيير الثقافي والسياسي بفعل الثورة الاتصالية والعولمة الثقافية والسياسية، التي تقلل من قدرة النظام على الضبط والتحكم.

هذه ظروف تختلف تماماً عن ظروف لحظة تأسيس الجمهورية وواقع الحال اليوم. ورغم أن هذه العملية التي ترمي إلى التغيير وتحريك المياه الراكدة في المجتمع الإيراني، تُقابل بمقاومة شديدة من القوى المضادة والمحافظة، إلا أن هذا الصراع سوف يتصاعد في المستقبل، ما لم يتغير البناء المؤسساتي والدستوري في إيران، واجتراح الوسائل الملائمة للتعامل معها، حتى يستطيع النظام الاستمرارية والتكيف مع هذه التحديات، من دون ذلك سوف يواجه النظام الإيراني مأزقاً وجودياً.

إن هذه التغييرات البنيوية، التي تواجه النظام السياسي الإيراني، فرضت عليه مواجهة إشكاليات جديدة وغير مسبوقة، تختلف كلياً عن مرحلة تأسيس الجمهورية، وهي تتطلب أطراً ومؤسسات متطورة ومختلفة تكون قادرة على التعامل مع هذه التحديات الموضوعية والمستجدات التي أفرزتها، حتى تكون الدولة تمثيلاً أميناً لموازين القوى في المجتمع. وبقدر ما تثبت إيران قدرتها على مجابهة هذه التحديات، وكلما كانت السلطة في إيران قادرة على التعبير عن حركية المجتمع الإيراني، كانت سلطة شرعية.

ولذلك فقد أصبحت إيران أكثر تأثيراً في البيئة الدولية، وهو الطابع الذي سيظل يلازمها بعد التغيير الجذري الذي حدث في النظام الدولي، وبروز عالم القطب الواحد، وتبلور ظاهرة العولمة. وهذا كله يشكل معوقات بنائية أمام السياسة الخارجية الإيرانية.

الخلاصة النهائية لهذا التحليل، هي أن إيران تواجه تحديات بنائية تتمثل في طبيعة النظام العالمي الراهن، وحالة الإقليم وبيئته والأوضاع المعقدة والمهددة التي تسوده، من احتلال العراق وأفغانستان، والتوترات في المنطقة، وترسخ الوجود الأمريكي في الجوار الإيراني، وبروز أدوار جديدة لدول إقليمية، وأزمة الملف النووي، وظاهرة العولمة. كل هذه المعضلات العالمية والدولية والإقليمية، تفرض نفسها كمعوقات بنائية أمام الدور الإيراني، وتجعله يتحرك وفق حدود وقواعد تتطلب قدراً كبيراً من الحنكة والموازنة بين الاعتبارات والقدرات الذاتية، والحسابات الدقيقة والرؤية الاستراتيجية، وإدارة السياسة الخارجية بشكل يتلاءم مع هذه المعوقات البنائية. فالفعل السياسي والجيواستراتيجي لإيران يتأثر بالبنى والعمليات السياسية والجيواستراتيجية للقوى العالمية والإقليمية. ويعني ذلك أن الفعل الإيراني مشروط بالظواهر البنائية لسياسة القوى العظمى في المنطقة، فإيران لا تعمل ضمن فراغ. 

::/fulltext::

araa74_69-bd9
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::835::/cck::
::introtext::

تتحدد أهداف الدول الساعية لحماية مصالحها القومية من خلال سياستها الخارجية، وتتأثر بالبيئة العالمية التي تتعامل معها وتتحرك فيها، وبالقوة أو القوى التي تتحكم وتوجه هذه البيئة. فالسياسة الخارجية الإيرانية، تصاغ بالضرورة في إطار الوحدة الدولية، وترمي إلى تحقيق أهدافها إزاء وحدات خارجية. ففي عصر التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال لم تعد النظم والجماعات قادرة على الانحسار داخل بوتقة خاصة أو الانغلاق على الذات. 

::/introtext::
::fulltext::

تتحدد أهداف الدول الساعية لحماية مصالحها القومية من خلال سياستها الخارجية، وتتأثر بالبيئة العالمية التي تتعامل معها وتتحرك فيها، وبالقوة أو القوى التي تتحكم وتوجه هذه البيئة. فالسياسة الخارجية الإيرانية، تصاغ بالضرورة في إطار الوحدة الدولية، وترمي إلى تحقيق أهدافها إزاء وحدات خارجية. ففي عصر التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال لم تعد النظم والجماعات قادرة على الانحسار داخل بوتقة خاصة أو الانغلاق على الذات.

إن النظام السياسي المتشكل في إثر الثورة الإيرانية 1979، كثورة أيديولوجية دينية إسلامية، شكّل قطيعة مع نظام الشاه، وأحدث تغييرات سياسية كبرى في النظام الإيراني. أما اليوم فقد حدثت تغييرات هيكلية في الظروف التاريخية والبنية الجيواستراتيجية التي كانت تعمل من خلالها إيران ما بعد أسرة بهلوي، حيث وجدت إيران نفسها في بيئة مغايرة تماماً لبيئة السبعينات، فقد اختلفت البيئة العالمية في سبعينات القرن الماضي عنها في القرن الحادي والعشرين، بما تتيحه من فرص وخيارات أمام إيران، بدأت تتضح معالمها منذ تسعينات القرن الماضي.

فرص الفعل السياسي والجيواستراتيجي:

أسهمت الحرب الأمريكية على الإرهاب في تعزيز مكانة إيران كدولة إقليمية ذات نفوذ قوي. ووفرت واشنطن لإيران فرصة مناسبة للحصول على مكانة إقليمية ودولية. فبعد الإطاحة بنظامين (العراق وأفغانستان) كانا يشكلان تهديداً مباشراً لطهران، تمت مكافأة إيران بإطلاق يدها في العراق ولبنان، وأصبح لها نفوذ في مناطق أخرى مهمة، مثل غزة، وآسيا الوسطى، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية. فقد استغلت إيران انهيار النظام العراقي وانشغال أمريكا في حربها في العراق، لتتحول إلى القوة الإقليمية الأبرز، وإلى فاعل سياسي في المنطقة لا يمكن تجاوزه. وهكذا أصبحت إيران- والحالة هذه- طرفاً مهماً في تشكيل النظام العراقي الجديد، حيث تسعى إلى أن يكون النظام العراقي الجديد غير معادٍ لها أو أن يكون مؤيداً أو متعاطفاً معها. فبعد أن كان النظام العراقي السابق يشكل تحدياً أمام حرية الفعل الإيراني لتحقيق دور إقليمي، باتت اليوم أمام إيران الفرص متاحة بشكل كبير.

والأهم هو، أن هذه البيئة الدولية والإقليمية، فتحت فرصاً كبرى أمام إيران للتحرك باتجاه تطوير برنامج نووي. كما أن هذا البرنامج النووي أكسب الطبقة الدينية القابضة على الحكم، شرعية ساعدتها على الاستمرار وبسط سيطرتها على الداخل بالطريقة التي تنسجم وتتماشى مع تصوراتها، وتثبيت نظام الحكم ومبادئ الثورة. كما أن هذا التعنت الإيراني أمام الأمريكيين أكسبها شرعية إقليمية عند البعض، مما أكسبها سيطرة على بعض الدول وقوى الممانعة لتتماشى مع تصورات الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمنطقة، وتدور في فلكها.

أضف إلى ذلك، أن حرب واشنطن على الإرهاب، وتحطيم النظامين العراقي والأفغاني، جعلا إيران طرفاً في أي حوار أمريكي يخص العراق وأفغانستان. وبالفعل لقد أجرى (2001-2002) دبلوماسيون أمريكيون وإيرانيون، مع مسؤولين من دول أعضاء في الأمم المتحدة، في بون العاصمة السابقة لألمانيا، لقاءات في إطار محادثات متعددة الأطراف حول تشكيل حكومة جديدة ووضع دستور جديد لأفغانستان. وناقش (2007-2008) كل من السفير الأمريكي لدى العراق براين كروكر مع نظيره الإيراني حسن كاظمي قمي، أعمال العنف في العراق. وأجريت ثلاث جلسات أخرى من تلك المحادثات منذ عام 2008، برعاية وزارة الخارجية العراقية. وفي مارس 2009، أجرى ريتشارد هولبروك المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان وباكستان، (حديثاً موجزاً وودياً) مع ممثل إيران خلال مؤتمر دولي حول أفغانستان وغيرها من اللقاءات والمشاورات التي تجري بين الأمريكيين والإيرانيين لتقرير مستقبل العراق وأفغانستان.

ويتضح من ذلك أن إيران استطاعت بسط نفوذها الإقليمي، وأمست طرفاً في تشكيل مستقبل العراق وأفغانستان، ومؤثرةً في الوضع السياسي في لبنان وفلسطين. وهو ما ينبئ بأن إيران قد تكون لاعباً أساسياً في تشكيل الشرق الأوسط الكبير.

وعموماً إن الحرب الأمريكية على الإرهاب، والمأزق الأمريكي في العراق وأفغانستان، واستنزاف القدرات الأمريكية، وعدم قدرتها على ضرب أي بلد آخر، ناهيك عن مناطق التوتر الأخرى، والأزمة المالية العالمية، كل ذلك ترك فراغاً، وفتح فرصاً كبرى أمام حرية الحركة والفعل الإيرانيين، مما جعلها طرفاً في تشكيل سياسة المنطقة، وقوة رئيسية على المستوى الإقليمي ترمي إلى إحداث تغييرات جذرية تؤدي إلى إضعاف الدور الخليجي والعربي.

التحديات والمعوقات البنائية السياسية والجيواستراتيجية:

إن الواقع السياسي والجيواستراتيجي، لا يتكون فقط من معاني الفاعلين السياسيين، أو من خلال الإرادة الذاتية للفاعل، وإنما هناك عوامل بنائية أو (موضوعية) تمارس تأثيراً طاغياً على الفاعل وتصوراته، وتمارس أيضاً قهراً على دوره. فالفعلان السياسي والجيواستراتيجي، يتأثران إلى حد كبير، بل يتشكلان ويصاغان بواسطة العوامل البنائية (السياسية والجيواستراتيجية). ليست العلاقة أحادية ولا يمكن التعبير عنها في ضوء تعميمات لها سمة القانون وعموميته. ومن دون الخوض في النقاش العويص حول العلاقة بين الفعل والبناء، أو بين الذات والموضوع، نقول في ما يخص موضعنا، إن الفعل السياسي الإيراني، والإرادة الذاتية لإيران، لا يمكنهما أن يتحررا تماماً من تأثير ظروف البناء السياسية والجيواستراتيجية والعوامل البيئية سواء أكانت المحلية أم العالمية. فأشكال السيطرة، والقوة والأيديولوجيا، والهيمنة الأحادية الأمريكية على العالم، ناهيك عن علاقة إيران بدول الجيران، والصين وروسيا وغيرهما من دول العالم، كل هذه العوامل تحد من حرية الحركة، وتفرض على إيران السير وفق هذه العوامل البنائية، وأن تعمل وفق ما هو مناسب ومتاح، آخذة في اعتبارها كل هذه العوامل وفق حسابات دقيقة.

نعم إن سقوط النظامين العراقي والأفغاني، جعل إيران أمام فرص متعددة، لكنه في الوقت نفسه فرض عليها تحديات. فقد أصبحت إيران أكثر من أي وقت مضى عرضة للضغوط الأمريكية، وبمختلف الوسائل لمنعها من البروز كقوة إقليمية، لأن واشنطن لن تسمح ببساطة ببروز قوة إقليمية معادية لها، كما جعلها في موضع الخطر المباشر، وخاصة أن واشنطن أصبحت على حدود إيران الشرقية في أفغانستان، وشمالاً في جوار بحر قزوين في أكثر من دولة من دول الاتحاد السوفييتي السابق، كما أن جارتها باكستان دولة نووية ولها علاقة جيدة مع واشنطن، وهي تسير باتجاه علاقات مماثلة مع إسرائيل، كذلك الأمر مع تركيا. أما في جنوبها، وبفعل مصالح واشنطن الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وحماية أمن إسرائيل وتدفق النفط، كل ذلك جعل وجود واشنطن العسكري أكبر وأضخم من أي منطقة أخرى، ناهيك عن العلاقات العربية- الإيرانية المتوترة أصلاً. ولعل أبرز ما يوضح القلق الإيراني من الوجود العسكري الأمريكي في جوارها هو ما عبرت عنه الرسالة التي أرسلت من قِبل (153) نائباً إلى البرلمان الإيراني حيث أشارت إلى (أنه في أعقاب وضع القوات الأمريكية في أفغانستان واحتلال العراق فقد وصل التهديد إلى حدودنا).

كل هذه العوامل تشكل معوقات بنيوية أمام إيران، تجعلها أكثر عرضة للمخاطر. وهذه المعوقات البنائية تدفع طهران، قسراً، باتجاه إقامة علاقات مع واشنطن كما سبق الإشارة، أهميتها ترجع إلى تخفيف حدة التوتر بينها وبين واشنطن، بالإضافة إلى أن هذه المشاورات المباشرة تسمح لواشنطن بالاطلاع مباشرة على وجهة النظر الإيرانية وبخاصة عندما تتوتر العلاقة بينهما. أضف إلى ذلك أن هذه المشاورات واللقاءات السرية التي تجرى من خلف (الأبواب المغلقة)، تساعد إيران على إيصال رأيها إلى إسرائيل، ففي هذه الحالة تلعب واشنطن دور الوسيط بين إيران وإسرائيل. كما أن هذه اللقاءات تقوي من الأمل في تحسين العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية. وهي بالفعل لعبت دوراً في استمرارية النظام الإيراني المتشكل في إثر الثورة الإيرانية 1979. فمشاورات إسرائيل وإيران في عقد الثمانينات بخصوص صفقة الأسلحة، والمشاورات الأمريكية – الإيرانية بخصوص الرهائن، عززتا الأمل في إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، وخاصة أن إسرائيل استمرت بالعمل في إعادة علاقاتها مع النظام الإيراني الجديد وحاولت عبر وسطاء لإعادة هذه العلاقة. خلاصة ذلك أن هذه المعوقات البنائية تدفع طهران قسراً إلى التحاور من خلف (الأبواب المغلقة)، حتى تحافظ على وجودها.

لم تشكل إيران الثورة (1979) أي خطر أيديولوجي على النظام الدولي آنذاك وتصوراته الفلسفية. ولم تكن بديلاً أيديولوجياً أمام الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية. فقد رأت واشنطن أنه ربما تشكل الأيديولوجية الإسلامية الإيرانية، التي تتعارض مع الماركسية أو الاشتراكية، فرصة لتحسين العلاقات مع أمريكا، أو قد تندفع إيران إلى التحالف الغربي بسبب الخطر الشيوعي المتربص على حدودها الشمالية. وحتى عندما تأكدت واشنطن من خطأ هذه التصورات، لم تستطع فعل أي شيء ضد إيران لإعادتها إلى التحالف الغربي. والسبب في ذلك أن النظام الدولي آنذاك، جعل الخيارات أمام واشنطن محدودة أو معدومة، وبخاصة أن إيران تقبع جنوب الاتحاد السوفييتي. كما أن أي إجراء أمريكي ضدها قد يدفعها إلى التحالف مع الاتحاد السوفييتي. أما الآن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية القرن الماضي، فأصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم بل ربما أكبر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية على الإطلاق في تاريخ البشرية، وأصبحت أيضاً الأيديولوجية الإسلامية موصومة بالإرهاب، ووصفت السياسة الأمريكية إيران بالدولة التي تساند الإرهاب وتضعها ضمن دول (محور الشر). فالأيديولوجية الإسلامية التي لعبت دوراً في الحفاظ على إيران الثورة، كما أصبحت الآن تشكل أحد المخاطر على إيران في ظل الحرب على الإسلام والمسلمين، وأصبحت أيضاً أية دولة ترفع شعارات إسلامية توصم بالإرهاب، كما أن هذا البعد الأيديولوجي حاضر في المسألة النووية الإيرانية.

فالولايات المتحدة الأمريكية تتصور أن امتلاك إيران للرادع النووي سوف يجعلها تشعر بأنها لم تعد معرضة للخطر المباشر من أي انتقام عسكري تقليدي، فهي تستطيع أن تعود إلى السياسات العدوانية والسياسة الخارجية المقاومة للوضع الراهن التي اتبعتها إبان الثورة الإيرانية. وعلى هذا النحو قد تتصرف إيران على ضوء تحقيق تصوراتها الأيديولوجية للشرق الأوسط الإسلامي، وفي دعمها للجماعات الأصولية، بالإضافة إلى أنها قد تعطي هذه الأسلحة للإرهابيين. وكما يقول هنري كسنجر في إحدى كتاباته (إن الدول ذات الدوافع الأيديولوجية تميل إلى تطبيق سياسة خارجية نشطة ذات مخططات كبرى، من العسير تحقيقها، كما تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام العالمي القائم).

وإذا كان الفراغ في المنطقة لعب دوراً في صعود إيران كقوة إقليمية، فقد لعب أيضاً دوراً في صعود قوى إقليمية كتركيا، التي لها مصالح لا تقل أهمية عن مصالح إيران، وقد تتعارض مصالحهما مستقبلاً، وهو ما يشكل معوقاً بنائياً أمام تمدد النفوذ الإيراني.

إن الانخراط الإيراني التام بالسياسة الإقليمية والدولية له تكاليفه الباهظة. وهنا تثار التساؤلات: ما التكاليف والفوائد المحتملة لهذا الانخراط؟ وما هي المعوقات البنائية التي يوفرها هذا الانخراط؟ الموقف العقلاني هو ما يجلب أكبر درجة من الإشباع والمنفعة، وأكفأ وسيلة للوصول إلى الأهداف المرجوة في مواقف معينة وفي زمان ومكان مناسبين. فتزايد الأعباء العسكرية والأمنية والسياسية لإيران في الخارج مع مرور الوقت يأتي بتكاليف باهظة وقد يختل التوازن بين أعباء الأمن وانخراط بالسياسة الإقليمية والدولية المتزايد، وقدرتها على الحفاظ على قاعدة تقنية واقتصادية تلبي الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيها. وبالفعل فإيران تواجه وضعاً داخلياً مأزوماً تمظهر مع المعارضة الإيرانية المتجسدة في الحركة الخضراء وهي تمثل نقطة ضعف في النظام الإيراني. كما أن إيران بلد نام، ويعاني من معضلات اقتصادية وبيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد. فضلاً عن ذلك، تأخذ المعارضة على النظام أنه مفرط في سياسته الخارجية، وهذا الإفراط هو الذي يجلب المواجع داخلياً، لأنها تبدد أموال الشعب.

وبينما تفتح العولمة بدورها فرصة أمام الدول، فهي تشكل أيضاً تحديات غير مسبوقة أمام النظم السياسية في الشرق الأوسط، وهي ظاهرة لا يقتصر تأثيرها على السياسة الخارجية لهذه الدول، بل تشمل كل السياسات العالمية. وبالإشارة إلى إيران، فهي تفتح فرصاً وخياراتٍ أمام الفرد والمجتمع لتفلت من قبضة النظام الديني، الذي بدأت تتضح معالمه منذ تسعينات القرن الماضي.

فقد شاعت الظاهرة المعروفة إيرانياً بـ (الحجاب السيئ)، أي عدم التزام النساء بمقاييس (الشادور)، والإقبال على الحجاب المزركش الذي يظهر رأس المرأة، وانتشار الزي الغربي بين الشباب الإيراني، وإطالة شعر الرأس، وثقب الأذن، وتعليق الجماجم فوق الصدور. فبعد أن استطاعت الطغمة الحاكمة أن تفرض سوراً واقياً أمام الخارج للعبور إلى الفرد والمجتمع الإيراني، بات اليوم الخارج- في اختزال للزمن والمكان- حاضراً في غرف نوم الإيرانيين. فقد باتت البلاد هي الطرف المتلقي أو المستقبل لكل منتجات الحضارة الغربية. وبالتالي فقد فرض الآخر المختلف ثقافته وحضارته على الفرد والمجتمع الإيرانيين. فالعولمة الثقافية باتت تشكل هاجساً يؤرق النظام الأيديولوجي، فثمة حراك اجتماعي دائب تشهده إيران حالياً يضغط من أجل التغيير الثقافي والسياسي بفعل الثورة الاتصالية والعولمة الثقافية والسياسية، التي تقلل من قدرة النظام على الضبط والتحكم.

هذه ظروف تختلف تماماً عن ظروف لحظة تأسيس الجمهورية وواقع الحال اليوم. ورغم أن هذه العملية التي ترمي إلى التغيير وتحريك المياه الراكدة في المجتمع الإيراني، تُقابل بمقاومة شديدة من القوى المضادة والمحافظة، إلا أن هذا الصراع سوف يتصاعد في المستقبل، ما لم يتغير البناء المؤسساتي والدستوري في إيران، واجتراح الوسائل الملائمة للتعامل معها، حتى يستطيع النظام الاستمرارية والتكيف مع هذه التحديات، من دون ذلك سوف يواجه النظام الإيراني مأزقاً وجودياً.

إن هذه التغييرات البنيوية، التي تواجه النظام السياسي الإيراني، فرضت عليه مواجهة إشكاليات جديدة وغير مسبوقة، تختلف كلياً عن مرحلة تأسيس الجمهورية، وهي تتطلب أطراً ومؤسسات متطورة ومختلفة تكون قادرة على التعامل مع هذه التحديات الموضوعية والمستجدات التي أفرزتها، حتى تكون الدولة تمثيلاً أميناً لموازين القوى في المجتمع. وبقدر ما تثبت إيران قدرتها على مجابهة هذه التحديات، وكلما كانت السلطة في إيران قادرة على التعبير عن حركية المجتمع الإيراني، كانت سلطة شرعية.

ولذلك فقد أصبحت إيران أكثر تأثيراً في البيئة الدولية، وهو الطابع الذي سيظل يلازمها بعد التغيير الجذري الذي حدث في النظام الدولي، وبروز عالم القطب الواحد، وتبلور ظاهرة العولمة. وهذا كله يشكل معوقات بنائية أمام السياسة الخارجية الإيرانية.

الخلاصة النهائية لهذا التحليل، هي أن إيران تواجه تحديات بنائية تتمثل في طبيعة النظام العالمي الراهن، وحالة الإقليم وبيئته والأوضاع المعقدة والمهددة التي تسوده، من احتلال العراق وأفغانستان، والتوترات في المنطقة، وترسخ الوجود الأمريكي في الجوار الإيراني، وبروز أدوار جديدة لدول إقليمية، وأزمة الملف النووي، وظاهرة العولمة. كل هذه المعضلات العالمية والدولية والإقليمية، تفرض نفسها كمعوقات بنائية أمام الدور الإيراني، وتجعله يتحرك وفق حدود وقواعد تتطلب قدراً كبيراً من الحنكة والموازنة بين الاعتبارات والقدرات الذاتية، والحسابات الدقيقة والرؤية الاستراتيجية، وإدارة السياسة الخارجية بشكل يتلاءم مع هذه المعوقات البنائية. فالفعل السياسي والجيواستراتيجي لإيران يتأثر بالبنى والعمليات السياسية والجيواستراتيجية للقوى العالمية والإقليمية. ويعني ذلك أن الفعل الإيراني مشروط بالظواهر البنائية لسياسة القوى العظمى في المنطقة، فإيران لا تعمل ضمن فراغ. 

::/fulltext::
::cck::835::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *