سد الفجوة العلمية في دول الخليج بإعادة تأسيس الهياكل

::cck::836::/cck::
::introtext::

تنفق دول الخليج مبالغ ضخمة من أموال النفط على التعليم في محاولة للحاق بركب العالم المتقدم، لكنها لم تتمكن من الخروج من نفق هيمنة الاقتصاد الريعي المعتمد على الاقتصاد الأوحد الهيدروكربوني، لذلك لم يتمكن التعليم في الفترة الماضية من تخريج مواطنين وتدريبهم على مزيد من الاقتصادات المتنوعة وغير ذات صلة بالهيدروكربونية في المستقبل أو تزيد على الأقل من القيمة المضافة للقطاع الهيدروكربوني حتى يتجه نحو تنويع اقتصادات دول الخليج وتحقيق ميزة تنافسية لاقتصاداتها مستفيدة من الميزة النسبية التي تمتلكها.

::/introtext::
::fulltext::

تنفق دول الخليج مبالغ ضخمة من أموال النفط على التعليم في محاولة للحاق بركب العالم المتقدم، لكنها لم تتمكن من الخروج من نفق هيمنة الاقتصاد الريعي المعتمد على الاقتصاد الأوحد الهيدروكربوني، لذلك لم يتمكن التعليم في الفترة الماضية من تخريج مواطنين وتدريبهم على مزيد من الاقتصادات المتنوعة وغير ذات صلة بالهيدروكربونية في المستقبل أو تزيد على الأقل من القيمة المضافة للقطاع الهيدروكربوني حتى يتجه نحو تنويع اقتصادات دول الخليج وتحقيق ميزة تنافسية لاقتصاداتها مستفيدة من الميزة النسبية التي تمتلكها.

كل التقارير التي صدرت عن الأمم المتحدة للتنمية في العالم العربي بما فيها دول الخليج وصفت الجامعات العربية بأنها مدفونة في الغبار أو مخنوقة بالأيديولوجيات، كما اعتبرت المنطقة الأقل كثافة في الأبحاث والتطوير في العالم.

كثير من المحللين يرجعون أسباب هذا التأخر ليس بسبب قلة الإنفاق بل بسبب السياسة والجهل، ولا يمكن للمال أن يشتري العلم مثلما يعتقد بعض الخليجيين حتى لو تم استقدام أفضل الأساتذة والجامعات إذا لم يتوفر جهاز داعم بالكامل بجانب تهيئة بيئة جاذبة حتى تصبح قادرة على عقد الشراكة مع الصناعات المحلية.

ولم يدرك الخليجيون حتى الآن أن المال لا يمكن أن يشتري المواهب والقدرات والعلماء بشكل خاص ما لم تتوفر المعاملة بالمثل، وأن يعتمد الراتب والتعيين ليس على الجنسية بل على الكفاءة والقدرة والاستحقاق، وفي الأغلب يعاني العلماء العرب حرماناً من تلك الحقوق في بعض دول الخليج، وسبق أن أخفقت دول الخليج في تمكين المواهب والقدرات المحلية من أخذ دورها التنموي وتنمية مواهبها، وقد تصبح مدفونة إلى أن تتقاعد من الخدمة، وقد يتم تهميشها بشكل متعمد من قبل إدارات مهيمنة ومستحوذة خوفاً من تلك الكفاءات أن تأخذ مكانها بسبب غياب أنظمة وقوانين تعطي الفرصة للكفاءات والقدرات وليس للفئات المعروفة امتداداً للقيم الاجتماعية المهيمنة في دول الخليج التي كانت سبباً في تأخر دولها في كافة المستويات.

كما أنه لا يمكن تطوير الأبحاث عن بعد أو الاكتفاء بالقيام بعدد من الزيارات، لأن الأكاديميين يحتاجون إلى وقت لإجراء أبحاثهم، ويريدون أن تتم مكافأتهم، ومعروف أن الأكاديميين على عكس غيرهم يريدون الاستقرار ولا يرغبون في التنقل بشكل متكرر، لذلك هم يرغبون في أماكن تتسم بالجاذبية وإعطاءهم كامل الحقوق بدءاً بالجنسية لأنها من أهم عوامل اتسام المكان بالجاذبية إلى جانب تقديم المكافآت السخية بما يتناسب مع قدراتهم ومنجزاتهم البحثية والعلمية والفكرية، بل إنهم يحتاجون إلى احترام وتقدير لعلمهم ومنجزاتهم.

لقد نجحت الدول المتقدمة في أن تصبح أماكن تتسم بالجاذبية بسبب منحها للأكاديميين الجنسية مباشرة وإغرائهم بالرواتب العالية حسب درجتهم وإنتاجهم العلمي والفكري وتمكينهم من تبوؤ المكانة وتولي رئاسة المراكز البحثية المهمة.

لذا فإن أول خطوة في هذا الجانب هي ضرورة أن تقوم دول الخليج بتأسيس الهياكل المؤسسية المناسبة لكي تكون تلك المؤسسات أماكن جاذبة للعلماء والموهوبين.

لكن نتيجة غياب تلك الهياكل المؤسسية أصبحت المنطقة طاردة للعلماء، فخلال شهر يوليو 2010 صرح رئيس معهد مصدر في أبوظبي بأنه سيترك المعهد لأسباب شخصية، وتم تأسيس معهد مصدر بالشراكة مع معهد ماساشوستس للتكنولوجيا ويهدف إلى تطبيق الأبحاث في مجال التكنولوجيا المتجددة، ويعتزم نائب الرئيس السابق وعميد الهندسة في جامعة مانشستر في المملكة المتحدة رئيس الأبحاث في المعهد ترك العمل لنفس الأسباب، وهناك الكثير ممن يعانون من المعاملة بالمثل يتركون مواقعهم، وبذلك تكون دول الخليج مناطق طاردة للعلماء وبالتالي تكون قد خسرت تلك القدرات وقد لا يمكن تعويضها بغيرها، وإذا ما تم تعويضها فإنها بحاجة إلى الوقت المناسب كي تستفيد منها المنطقة.

ورغم ذلك هناك جهود جبارة تبذل من قبل حكومات دول الخليج، لكن في ظل غياب تلك الأنظمة والتشريعات يصبح هؤلاء العلماء في دائرة القلق والحيرة واستغرابهم لحصولهم على معاملة غير تلك المعاملة التي وجدوها في الدول التي أتوا منها.

وتعتزم دبي الآن ضخ 4,9 مليار درهم (1,3 مليار دولار) في الأبحاث والتطوير بحلول عام 2018 بموجب خطة استراتيجية للتعليم العالي، تم الإعلان عنها في شهر يونيو 2010. وتحاول مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع ضم فروع لست جامعات أمريكية وفرعي جامعتي السوربون ونيويورك اللتين يجري تأسيسهما أيضاً في أبوظبي لتسد نقص المعرفة بقصد أن تجري مع مرور الوقت الأبحاث وتمنح شهادات الدكتوراه، وتحاول مجموعة تشتمل على 200 عالم مغترب من أصل عربي يعملون في الغرب إعادة بناء تقاليد الأبحاث.

وأنشأت المملكة العربية السعودية جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا وهي بداية لبناء جسور بين الشعوب والأمم، ولغة العلم واحدة وكذلك الحقل العلمي واحد، ولكن لطريقة الأداء لغات مختلفة، وهذا الجسر من شأنه أن يقوي جهود التعاون  في هذه البلدان.

وهذا الجمع ستنتج عنه اختراعات كثيرة، والجامعة مؤهلة وفيها حاضنات تعتني بهذه الاختراعات وتطورها إلى صناعات وتنتج عنها مجتمعات صناعية وقاعدة اقتصادية كبيرة.

وتسعى الجامعة إلى إنشاء مجتمع أكاديمي وصناعي خال من العوائق وإيجاد البيئة المطلوبة للتجديد وتسريع حركة الإنتاج، لذلك حرصت الجامعة على استخدام صفوة علماء العالم وخبراء التقنية واجتذاب صفوة الطلاب الموهوبين ووضع أحدث البرامج التعليمية وأكثرها تطوراً على مستوى الماجستير والدكتوراه.

كما بدأت الجامعات السعودية تدخل في سباق نحو الريادة، ومنذ مطلع عام 2009 أصبح مصطلح (تصنيف) هو عناصر الأجندة المطروحة أمام مديري الجامعات السعودية للتسويق لجامعاتهم والحصول على ثقة المجتمع، وكانت جامعة الملك سعود الجامعة العربية الوحيدة في تصنيف شنغهاي العالمي ضمن قائمة أفضل 500 جامعة في العالم.

وحصلت جامعة الملك سعود كذلك على المركز الأول عربياً في تصنيف (تايمز كيو- إس) البريطاني بحصولها على المركز 247 عالمياً، بينما جاءت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المركز 226 هندسياً على مستوى العالم وحققت المركز الثاني عربياً، وبدأت تنافس بقية الجامعات الأخرى.

وفي تصنيف (ويبو ماتركس) الإسباني في يوليو 2009 حصلت خمس جامعات سعودية على المراكز الأولى عربياً، وجاءت على الترتيب جامعة الملك سعود ثم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ثم جامعة الإمام محمد بن سعود فجامعة الملك فيصل وأخيراً جامعة الملك عبدالعزيز، أما على المستوى الإسلامي فكانت جامعة الملك سعود الأولى تلتها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المركز الثاني، ثم احتلت بقية المراكز الثلاثة التالية جامعات من تركيا حتى المركز الخامس.

والحقيقة أن دول الخليج بدأت تعيد النظر في استراتيجيات التعليم التي لم تكن يوماً مرتبطة بصورة واضحة بأي أهداف اقتصادية رغم الإنفاق السخي في مجال التعليم على مدار الـ 40 عاماً الماضية إلا أنها متخلفة عن نظرائها الدوليين، فحينما يشارك طلابها في اختبارات دولية موحدة مثل الاتجاهات في دراسة الرياضيات والعلوم الدولية بأنهم يصنفون بصورة ثابتة بالقرب من أسفل القائمة.

فمثلاً يقبل التعليم العالي في السعودية نسبة 90 في المائة من خريجي الثانوية رغم أن النسبة في الدول المتقدمة لا تتجاوز الـ 60 في المائة والنسبة الباقية تتجة نحو التدريب وتتهيأ للعمل في المجالات والتخصصات التي يميلون إليها، لذلك نفاجأ بتسرب 65 في المائة من المرحلة الجامعية لأن أغلبهم يتجه إلى تخصصات نظرية لا تفيد سوق العمل بنسبة 90 في المائة، ما يزيد من تراكم البطالة.

رغم أن التعليم محرك طويل الأجل للتنمية الاقتصادية، إلا أن الاستثمارات في البنية التحتية ظلت متخلفة عن الحاجات، وتنفق دول الخليج الست ما يقل عن 70 في المائة عما تنفقه الولايات المتحدة على التعليم للفرد الواحد. كما أن وظيفة الجامعة في أمريكا وبقية الدول المتقدمة تتمحور حول إنتاج المعرفة وتخريج نخب قيادية من أصحاب الكفاءات العلمية والعقلية والنفسية التي تخولهم التفوق والنجاح في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية.

ولا بد أن تدرك جامعات دول الخليج والتعليم العام كذلك أن العلوم لغة عالمية تمكنها من إيجاد روابط جديدة بين الأفراد وفتح العقول أمام أفكار تتجاوز نظام الفصول الدراسية الذي أعاقته الأيديولوجيات المحلية وربطها بالدين والدين منها براء نتيجة لتوقف الاجتهاد في الدين والتمسك بما وصل إليه السلف فقط حتى إن كانت تطبيقاته غير صالحة لزماننا، ولم يدركوا أن السلفية منهج وليس مذهباً.

وتدرس كل دول العالم حتى المتقدمة منها تحسين نظام التعليم العام والجامعي، فبريطانيا رغم سنوات من التمويل غير الكافي استطاعت أن تحتفظ ببريقها في تصنيف الجامعات الكبرى في العالم، فكانت 17 جامعة من الـ 100 جامعة الكبرى في العالم بريطانية بما فيها أربع من العشر الأولى بعد الجامعات الأمريكية التي ما زالت تحتكر المراكز المتقدمة.

فأوروبا رغم تقدمها تجد نفسها اليوم عالقة بين آسيا النشطة والولايات المتحدة التي لا تزال تتمتع بالقوة، وهي تعول على المعرفة حتى تضمن أن تظل لها مكانتها المهمة وهي تحرص على تطوير منتجات في التكنولوجيا المتقدمة تكون ذات نوعية ممتازة لا تستطيع إنتاجها البلدان الناشئة ذات التكلفة المنخفضة يرافقها هاجس كبير بالحفاظ على حقوق الملكية الفكرية، وتحتفظ بأقصى قدر ممكن بهذه الابتكارات المتقدمة، وتحاول حرمان الأجانب من الوصول إليها خوفاً من نقلها إلى بلدانهم الأصلية.

ورغم هذا الحرص وهذا التفوق إلا أن الشركات في أوروبا قلقة جداً من نقص المعرفة التي يتلقاها الأطفال في المدارس وهو شيء مفقود تماماً في البلاد العربية لأن القلق حكومي فقط، فالحكومة هي التي تقود التنمية بمفردها وليس للقطاع الخاص دور كبير في ذلك.

فشركة سيمنز مثلاً أكبر شركة هندسية في أوروبا أرسلت إلى رياض الأطفال آلاف الصناديق التي تحتوي على معدات مصممة لإثارة الاهتمام بالعلوم، كما أن شركة هانيويل وهي شركة صناعية أمريكية تقوم بإدارة برنامج في 11 مدرسة في ثمانية بلدان في أوروبا وآسيا وشمال أمريكا يقوم فيه المراهقون ببناء ألعاب على شكل سيارات كهربائية. وألمانيا الدولة الأولى في التصدير قبل أن تصبح الصين الدولة الأولى والمشهورة بقدراتها التصنيعية تعاني نقصاً حاداً في المهارات وهي بحاجة إلى 30 ألف مهندس.

وتعتقد الشركات الأوروبية أن التعليم يسبب خيبة أمل للقارة (بينما في دول الخليج لا تهتم الشركات بنظام التعليم بسبب عدم وجود تشريعات تلزمها كما في أوروبا بتوظيف الخريجين بل تعتمد بشكل كلي على الاستقدام، وحينما بدأت الدولة تحث الشركات على توظيف الخريجين بدأت تتجه نحو التوظيف الوهمي أو تتخلى عن التوظيف نتيجة لنفوذ أصحاب بعض الشركات) وهي الآن بصدد التحول إلى الخارج خصوصاً إلى آسيا لسد الفجوة، وتتجه بشكل خاص إلى الهند باعتبار أن العلم فيها جيد، وكان اهتمام الشركات الأوروبية بالعلم والمهارات المتفوقة خوفاً من أن تعاني أوروبا وتستمر الولايات المتحدة رائدة في هذه المجالات، لذلك تدعو الشركات إلى العودة والبدء بالدعوة للعلوم في المدارس، فأصبح لدى شركة إنفوسيس حرمها الجامعي الخاص بها في الهند حيث يتم تدريب ما بين 25 و30 ألف شخص سنوياً.

وتنتقد الشركات الأوروبية بأن التركيز الأوروبي على الاستدامة ينبغي ألا يقتصر على التغيرات المناخية، وإنما ينبغي أن يمتد كذلك إلى المدارس والقوة العاملة المستقبلية، وأن أوروبا لم تقم بما يكفي لاجتذاب وتطوير المواهب. لذلك أصبحت بريطانيا تهتم بالاستثمار في العلم، فبدأت الجمعية الملكية (وهو أمر غير معهود في المؤسسات العلمية في الاستثمار بصورة غير مباشرة في الشركات التي تقوم على الابتكار العلمي) بإنشاء صندوق جديد اسمه (صندوق المشاريع) وقام بأول استثمار له في شهر أغسطس 2010 في شركة نوفا سيم، وهي شركة متفرعة عن كلية أمبيريال كوليدج، ويعمل في تطوير (الإسمنت الصديق للبيئة) الذي يمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو.

وهذا الصندوق إحدى من المبادرات الرامية إلى الاحتفال بالذكرى 350 لتأسيس الجمعية الملكية، وكان الهدف هو الاستثمار في الشركات الجديدة أو الحديثة والتي أسست على مبادئ علمية بارزة.

ويواجه الاستثمار في التعليم في دول الخليج تحديات كبيرة، فهو بحاجة إلى رأسمال كبير جداً ويستغرق إحراز عائدات الكثير من الوقت، فدول الخليج تختلف عن الدول المتقدمة في مسألة الاستثمار في التعليم الذي تتولاه شركات كبرى أو جمعيات خيرية لا تهدف إلى الربح بقدر ما تهدف إلى تطوير التعليم، والتحدي الآخر أن مخرجات التعليم حتى لو كانت ذات مهارات عالية فإنها بسبب إعطاء الأفضلية للعمل في القطاع الحكومي فإنها لا تحظى بفرصة كبيرة في القطاع الخاص الذي يعتمد فقط على اليد العاملة الأجنبية اعتماداً شبه كلي ومهم تخرجت أعداد من المتخرجين حتى لو كان تعليمهم مميزاً فلن يجدوا الفرص إلا في القطاع الحكومي، وهو خلل مؤسسي كبير جداً وعائق أمام تطوير التعليم، حيث أصبح دور الشركات سلبياً بشكل كبير فهي لا تتحمل توظيف الخريجين لأنها لا تهتم بنوعية المخرجات التي تتواءم مع احتياجاتها لأنها تعتمد اعتماداً كلياً على اليد العاملة الأجنبية.

وهذه التحديات تقف أمام تحفيز الحصول على مستويات تعليم جيدة، فمشاركة القطاع الخاص (الاستثمار في التعليم الربحي) في المنظومة التعليمية تواجه جملة من التحديات على الرغم من توجهه نحو النمو، حيث تعتبر مشاركة القطاع الخاص منخفضة في قطاع التعليم، كما أن نوعية التعليم لا تزال متأخرة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة ما أدى إلى لجوء الكثير من الطلاب إلى الخارج بحثاً عن فرص التعليم العالي.

ويتواصل تنفيذ السياسات الحكومية الجديدة لتسريع مشاركة القطاع الخاص والمساعدة على مواكبة الطلب المتزايد في المنطقة التي ينتظر أن يشهد قطاع التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً كبيراً في نوعية الخدمات المقدمة والقدرة التنافسية على المستوى العالمي.

ورغم ذلك فإن المبادرات الحكومية غير كافية إذا لم يرافقها تأسيس الهياكل وإصدار التشريعات والأنظمة اللازمة، وأيضاً لا تكفي الإرادة السياسية إذا لم ترافقها بنى تحتية مناسبة وتحفيز الابتكارات في القطاع الخاص من خلال عدد من السياسات واللوائح المختلفة التي تهدف إلى اجتذاب مشاركة أكبر من القطاع الخاص. ولا يكفي كذلك التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي والجامعات والمعاهد الأجنبية لفتح فروع لها إذا كان الهدف منها مجرد تحقيق أرباح ما لم تحصل على تصنيفات عالمية عالية.

إذاً لا يزال دور القطاع الخاص سلبياً في الإنفاق على البحث العلمي والتطوير والإشراف على المراكز العلمية والمعاهد المتخصصة، فلا تزال الشركات في أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان تستحوذ على أكثر من 90 في المائة من إنفاق الشركات في العالم، لأن دور الشركات هو محاولة تجسير فجوة المهارات في مراكز التدريب المهني لأن جهود القطاع الخاص تهدف إلى تبني مراكز التدريب المهني التابعة للدولة بأن تكون ذات صلة بالصناعات الحديثة وإيجاد العمال المؤهلين. ولذلك تحتاج دول الخليج إلى مواصلة العمل الجماعي وإعادة تأهيل شركاتها عبر الاندماج والاستحواذ والمشاركة حتى تتمكن من أداء دورها ومنافسة الشركات الأجنبية.

::/fulltext::

araa72_31-1b4
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::836::/cck::
::introtext::

تنفق دول الخليج مبالغ ضخمة من أموال النفط على التعليم في محاولة للحاق بركب العالم المتقدم، لكنها لم تتمكن من الخروج من نفق هيمنة الاقتصاد الريعي المعتمد على الاقتصاد الأوحد الهيدروكربوني، لذلك لم يتمكن التعليم في الفترة الماضية من تخريج مواطنين وتدريبهم على مزيد من الاقتصادات المتنوعة وغير ذات صلة بالهيدروكربونية في المستقبل أو تزيد على الأقل من القيمة المضافة للقطاع الهيدروكربوني حتى يتجه نحو تنويع اقتصادات دول الخليج وتحقيق ميزة تنافسية لاقتصاداتها مستفيدة من الميزة النسبية التي تمتلكها.

::/introtext::
::fulltext::

تنفق دول الخليج مبالغ ضخمة من أموال النفط على التعليم في محاولة للحاق بركب العالم المتقدم، لكنها لم تتمكن من الخروج من نفق هيمنة الاقتصاد الريعي المعتمد على الاقتصاد الأوحد الهيدروكربوني، لذلك لم يتمكن التعليم في الفترة الماضية من تخريج مواطنين وتدريبهم على مزيد من الاقتصادات المتنوعة وغير ذات صلة بالهيدروكربونية في المستقبل أو تزيد على الأقل من القيمة المضافة للقطاع الهيدروكربوني حتى يتجه نحو تنويع اقتصادات دول الخليج وتحقيق ميزة تنافسية لاقتصاداتها مستفيدة من الميزة النسبية التي تمتلكها.

كل التقارير التي صدرت عن الأمم المتحدة للتنمية في العالم العربي بما فيها دول الخليج وصفت الجامعات العربية بأنها مدفونة في الغبار أو مخنوقة بالأيديولوجيات، كما اعتبرت المنطقة الأقل كثافة في الأبحاث والتطوير في العالم.

كثير من المحللين يرجعون أسباب هذا التأخر ليس بسبب قلة الإنفاق بل بسبب السياسة والجهل، ولا يمكن للمال أن يشتري العلم مثلما يعتقد بعض الخليجيين حتى لو تم استقدام أفضل الأساتذة والجامعات إذا لم يتوفر جهاز داعم بالكامل بجانب تهيئة بيئة جاذبة حتى تصبح قادرة على عقد الشراكة مع الصناعات المحلية.

ولم يدرك الخليجيون حتى الآن أن المال لا يمكن أن يشتري المواهب والقدرات والعلماء بشكل خاص ما لم تتوفر المعاملة بالمثل، وأن يعتمد الراتب والتعيين ليس على الجنسية بل على الكفاءة والقدرة والاستحقاق، وفي الأغلب يعاني العلماء العرب حرماناً من تلك الحقوق في بعض دول الخليج، وسبق أن أخفقت دول الخليج في تمكين المواهب والقدرات المحلية من أخذ دورها التنموي وتنمية مواهبها، وقد تصبح مدفونة إلى أن تتقاعد من الخدمة، وقد يتم تهميشها بشكل متعمد من قبل إدارات مهيمنة ومستحوذة خوفاً من تلك الكفاءات أن تأخذ مكانها بسبب غياب أنظمة وقوانين تعطي الفرصة للكفاءات والقدرات وليس للفئات المعروفة امتداداً للقيم الاجتماعية المهيمنة في دول الخليج التي كانت سبباً في تأخر دولها في كافة المستويات.

كما أنه لا يمكن تطوير الأبحاث عن بعد أو الاكتفاء بالقيام بعدد من الزيارات، لأن الأكاديميين يحتاجون إلى وقت لإجراء أبحاثهم، ويريدون أن تتم مكافأتهم، ومعروف أن الأكاديميين على عكس غيرهم يريدون الاستقرار ولا يرغبون في التنقل بشكل متكرر، لذلك هم يرغبون في أماكن تتسم بالجاذبية وإعطاءهم كامل الحقوق بدءاً بالجنسية لأنها من أهم عوامل اتسام المكان بالجاذبية إلى جانب تقديم المكافآت السخية بما يتناسب مع قدراتهم ومنجزاتهم البحثية والعلمية والفكرية، بل إنهم يحتاجون إلى احترام وتقدير لعلمهم ومنجزاتهم.

لقد نجحت الدول المتقدمة في أن تصبح أماكن تتسم بالجاذبية بسبب منحها للأكاديميين الجنسية مباشرة وإغرائهم بالرواتب العالية حسب درجتهم وإنتاجهم العلمي والفكري وتمكينهم من تبوؤ المكانة وتولي رئاسة المراكز البحثية المهمة.

لذا فإن أول خطوة في هذا الجانب هي ضرورة أن تقوم دول الخليج بتأسيس الهياكل المؤسسية المناسبة لكي تكون تلك المؤسسات أماكن جاذبة للعلماء والموهوبين.

لكن نتيجة غياب تلك الهياكل المؤسسية أصبحت المنطقة طاردة للعلماء، فخلال شهر يوليو 2010 صرح رئيس معهد مصدر في أبوظبي بأنه سيترك المعهد لأسباب شخصية، وتم تأسيس معهد مصدر بالشراكة مع معهد ماساشوستس للتكنولوجيا ويهدف إلى تطبيق الأبحاث في مجال التكنولوجيا المتجددة، ويعتزم نائب الرئيس السابق وعميد الهندسة في جامعة مانشستر في المملكة المتحدة رئيس الأبحاث في المعهد ترك العمل لنفس الأسباب، وهناك الكثير ممن يعانون من المعاملة بالمثل يتركون مواقعهم، وبذلك تكون دول الخليج مناطق طاردة للعلماء وبالتالي تكون قد خسرت تلك القدرات وقد لا يمكن تعويضها بغيرها، وإذا ما تم تعويضها فإنها بحاجة إلى الوقت المناسب كي تستفيد منها المنطقة.

ورغم ذلك هناك جهود جبارة تبذل من قبل حكومات دول الخليج، لكن في ظل غياب تلك الأنظمة والتشريعات يصبح هؤلاء العلماء في دائرة القلق والحيرة واستغرابهم لحصولهم على معاملة غير تلك المعاملة التي وجدوها في الدول التي أتوا منها.

وتعتزم دبي الآن ضخ 4,9 مليار درهم (1,3 مليار دولار) في الأبحاث والتطوير بحلول عام 2018 بموجب خطة استراتيجية للتعليم العالي، تم الإعلان عنها في شهر يونيو 2010. وتحاول مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع ضم فروع لست جامعات أمريكية وفرعي جامعتي السوربون ونيويورك اللتين يجري تأسيسهما أيضاً في أبوظبي لتسد نقص المعرفة بقصد أن تجري مع مرور الوقت الأبحاث وتمنح شهادات الدكتوراه، وتحاول مجموعة تشتمل على 200 عالم مغترب من أصل عربي يعملون في الغرب إعادة بناء تقاليد الأبحاث.

وأنشأت المملكة العربية السعودية جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا وهي بداية لبناء جسور بين الشعوب والأمم، ولغة العلم واحدة وكذلك الحقل العلمي واحد، ولكن لطريقة الأداء لغات مختلفة، وهذا الجسر من شأنه أن يقوي جهود التعاون  في هذه البلدان.

وهذا الجمع ستنتج عنه اختراعات كثيرة، والجامعة مؤهلة وفيها حاضنات تعتني بهذه الاختراعات وتطورها إلى صناعات وتنتج عنها مجتمعات صناعية وقاعدة اقتصادية كبيرة.

وتسعى الجامعة إلى إنشاء مجتمع أكاديمي وصناعي خال من العوائق وإيجاد البيئة المطلوبة للتجديد وتسريع حركة الإنتاج، لذلك حرصت الجامعة على استخدام صفوة علماء العالم وخبراء التقنية واجتذاب صفوة الطلاب الموهوبين ووضع أحدث البرامج التعليمية وأكثرها تطوراً على مستوى الماجستير والدكتوراه.

كما بدأت الجامعات السعودية تدخل في سباق نحو الريادة، ومنذ مطلع عام 2009 أصبح مصطلح (تصنيف) هو عناصر الأجندة المطروحة أمام مديري الجامعات السعودية للتسويق لجامعاتهم والحصول على ثقة المجتمع، وكانت جامعة الملك سعود الجامعة العربية الوحيدة في تصنيف شنغهاي العالمي ضمن قائمة أفضل 500 جامعة في العالم.

وحصلت جامعة الملك سعود كذلك على المركز الأول عربياً في تصنيف (تايمز كيو- إس) البريطاني بحصولها على المركز 247 عالمياً، بينما جاءت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المركز 226 هندسياً على مستوى العالم وحققت المركز الثاني عربياً، وبدأت تنافس بقية الجامعات الأخرى.

وفي تصنيف (ويبو ماتركس) الإسباني في يوليو 2009 حصلت خمس جامعات سعودية على المراكز الأولى عربياً، وجاءت على الترتيب جامعة الملك سعود ثم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ثم جامعة الإمام محمد بن سعود فجامعة الملك فيصل وأخيراً جامعة الملك عبدالعزيز، أما على المستوى الإسلامي فكانت جامعة الملك سعود الأولى تلتها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المركز الثاني، ثم احتلت بقية المراكز الثلاثة التالية جامعات من تركيا حتى المركز الخامس.

والحقيقة أن دول الخليج بدأت تعيد النظر في استراتيجيات التعليم التي لم تكن يوماً مرتبطة بصورة واضحة بأي أهداف اقتصادية رغم الإنفاق السخي في مجال التعليم على مدار الـ 40 عاماً الماضية إلا أنها متخلفة عن نظرائها الدوليين، فحينما يشارك طلابها في اختبارات دولية موحدة مثل الاتجاهات في دراسة الرياضيات والعلوم الدولية بأنهم يصنفون بصورة ثابتة بالقرب من أسفل القائمة.

فمثلاً يقبل التعليم العالي في السعودية نسبة 90 في المائة من خريجي الثانوية رغم أن النسبة في الدول المتقدمة لا تتجاوز الـ 60 في المائة والنسبة الباقية تتجة نحو التدريب وتتهيأ للعمل في المجالات والتخصصات التي يميلون إليها، لذلك نفاجأ بتسرب 65 في المائة من المرحلة الجامعية لأن أغلبهم يتجه إلى تخصصات نظرية لا تفيد سوق العمل بنسبة 90 في المائة، ما يزيد من تراكم البطالة.

رغم أن التعليم محرك طويل الأجل للتنمية الاقتصادية، إلا أن الاستثمارات في البنية التحتية ظلت متخلفة عن الحاجات، وتنفق دول الخليج الست ما يقل عن 70 في المائة عما تنفقه الولايات المتحدة على التعليم للفرد الواحد. كما أن وظيفة الجامعة في أمريكا وبقية الدول المتقدمة تتمحور حول إنتاج المعرفة وتخريج نخب قيادية من أصحاب الكفاءات العلمية والعقلية والنفسية التي تخولهم التفوق والنجاح في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية.

ولا بد أن تدرك جامعات دول الخليج والتعليم العام كذلك أن العلوم لغة عالمية تمكنها من إيجاد روابط جديدة بين الأفراد وفتح العقول أمام أفكار تتجاوز نظام الفصول الدراسية الذي أعاقته الأيديولوجيات المحلية وربطها بالدين والدين منها براء نتيجة لتوقف الاجتهاد في الدين والتمسك بما وصل إليه السلف فقط حتى إن كانت تطبيقاته غير صالحة لزماننا، ولم يدركوا أن السلفية منهج وليس مذهباً.

وتدرس كل دول العالم حتى المتقدمة منها تحسين نظام التعليم العام والجامعي، فبريطانيا رغم سنوات من التمويل غير الكافي استطاعت أن تحتفظ ببريقها في تصنيف الجامعات الكبرى في العالم، فكانت 17 جامعة من الـ 100 جامعة الكبرى في العالم بريطانية بما فيها أربع من العشر الأولى بعد الجامعات الأمريكية التي ما زالت تحتكر المراكز المتقدمة.

فأوروبا رغم تقدمها تجد نفسها اليوم عالقة بين آسيا النشطة والولايات المتحدة التي لا تزال تتمتع بالقوة، وهي تعول على المعرفة حتى تضمن أن تظل لها مكانتها المهمة وهي تحرص على تطوير منتجات في التكنولوجيا المتقدمة تكون ذات نوعية ممتازة لا تستطيع إنتاجها البلدان الناشئة ذات التكلفة المنخفضة يرافقها هاجس كبير بالحفاظ على حقوق الملكية الفكرية، وتحتفظ بأقصى قدر ممكن بهذه الابتكارات المتقدمة، وتحاول حرمان الأجانب من الوصول إليها خوفاً من نقلها إلى بلدانهم الأصلية.

ورغم هذا الحرص وهذا التفوق إلا أن الشركات في أوروبا قلقة جداً من نقص المعرفة التي يتلقاها الأطفال في المدارس وهو شيء مفقود تماماً في البلاد العربية لأن القلق حكومي فقط، فالحكومة هي التي تقود التنمية بمفردها وليس للقطاع الخاص دور كبير في ذلك.

فشركة سيمنز مثلاً أكبر شركة هندسية في أوروبا أرسلت إلى رياض الأطفال آلاف الصناديق التي تحتوي على معدات مصممة لإثارة الاهتمام بالعلوم، كما أن شركة هانيويل وهي شركة صناعية أمريكية تقوم بإدارة برنامج في 11 مدرسة في ثمانية بلدان في أوروبا وآسيا وشمال أمريكا يقوم فيه المراهقون ببناء ألعاب على شكل سيارات كهربائية. وألمانيا الدولة الأولى في التصدير قبل أن تصبح الصين الدولة الأولى والمشهورة بقدراتها التصنيعية تعاني نقصاً حاداً في المهارات وهي بحاجة إلى 30 ألف مهندس.

وتعتقد الشركات الأوروبية أن التعليم يسبب خيبة أمل للقارة (بينما في دول الخليج لا تهتم الشركات بنظام التعليم بسبب عدم وجود تشريعات تلزمها كما في أوروبا بتوظيف الخريجين بل تعتمد بشكل كلي على الاستقدام، وحينما بدأت الدولة تحث الشركات على توظيف الخريجين بدأت تتجه نحو التوظيف الوهمي أو تتخلى عن التوظيف نتيجة لنفوذ أصحاب بعض الشركات) وهي الآن بصدد التحول إلى الخارج خصوصاً إلى آسيا لسد الفجوة، وتتجه بشكل خاص إلى الهند باعتبار أن العلم فيها جيد، وكان اهتمام الشركات الأوروبية بالعلم والمهارات المتفوقة خوفاً من أن تعاني أوروبا وتستمر الولايات المتحدة رائدة في هذه المجالات، لذلك تدعو الشركات إلى العودة والبدء بالدعوة للعلوم في المدارس، فأصبح لدى شركة إنفوسيس حرمها الجامعي الخاص بها في الهند حيث يتم تدريب ما بين 25 و30 ألف شخص سنوياً.

وتنتقد الشركات الأوروبية بأن التركيز الأوروبي على الاستدامة ينبغي ألا يقتصر على التغيرات المناخية، وإنما ينبغي أن يمتد كذلك إلى المدارس والقوة العاملة المستقبلية، وأن أوروبا لم تقم بما يكفي لاجتذاب وتطوير المواهب. لذلك أصبحت بريطانيا تهتم بالاستثمار في العلم، فبدأت الجمعية الملكية (وهو أمر غير معهود في المؤسسات العلمية في الاستثمار بصورة غير مباشرة في الشركات التي تقوم على الابتكار العلمي) بإنشاء صندوق جديد اسمه (صندوق المشاريع) وقام بأول استثمار له في شهر أغسطس 2010 في شركة نوفا سيم، وهي شركة متفرعة عن كلية أمبيريال كوليدج، ويعمل في تطوير (الإسمنت الصديق للبيئة) الذي يمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو.

وهذا الصندوق إحدى من المبادرات الرامية إلى الاحتفال بالذكرى 350 لتأسيس الجمعية الملكية، وكان الهدف هو الاستثمار في الشركات الجديدة أو الحديثة والتي أسست على مبادئ علمية بارزة.

ويواجه الاستثمار في التعليم في دول الخليج تحديات كبيرة، فهو بحاجة إلى رأسمال كبير جداً ويستغرق إحراز عائدات الكثير من الوقت، فدول الخليج تختلف عن الدول المتقدمة في مسألة الاستثمار في التعليم الذي تتولاه شركات كبرى أو جمعيات خيرية لا تهدف إلى الربح بقدر ما تهدف إلى تطوير التعليم، والتحدي الآخر أن مخرجات التعليم حتى لو كانت ذات مهارات عالية فإنها بسبب إعطاء الأفضلية للعمل في القطاع الحكومي فإنها لا تحظى بفرصة كبيرة في القطاع الخاص الذي يعتمد فقط على اليد العاملة الأجنبية اعتماداً شبه كلي ومهم تخرجت أعداد من المتخرجين حتى لو كان تعليمهم مميزاً فلن يجدوا الفرص إلا في القطاع الحكومي، وهو خلل مؤسسي كبير جداً وعائق أمام تطوير التعليم، حيث أصبح دور الشركات سلبياً بشكل كبير فهي لا تتحمل توظيف الخريجين لأنها لا تهتم بنوعية المخرجات التي تتواءم مع احتياجاتها لأنها تعتمد اعتماداً كلياً على اليد العاملة الأجنبية.

وهذه التحديات تقف أمام تحفيز الحصول على مستويات تعليم جيدة، فمشاركة القطاع الخاص (الاستثمار في التعليم الربحي) في المنظومة التعليمية تواجه جملة من التحديات على الرغم من توجهه نحو النمو، حيث تعتبر مشاركة القطاع الخاص منخفضة في قطاع التعليم، كما أن نوعية التعليم لا تزال متأخرة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة ما أدى إلى لجوء الكثير من الطلاب إلى الخارج بحثاً عن فرص التعليم العالي.

ويتواصل تنفيذ السياسات الحكومية الجديدة لتسريع مشاركة القطاع الخاص والمساعدة على مواكبة الطلب المتزايد في المنطقة التي ينتظر أن يشهد قطاع التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً كبيراً في نوعية الخدمات المقدمة والقدرة التنافسية على المستوى العالمي.

ورغم ذلك فإن المبادرات الحكومية غير كافية إذا لم يرافقها تأسيس الهياكل وإصدار التشريعات والأنظمة اللازمة، وأيضاً لا تكفي الإرادة السياسية إذا لم ترافقها بنى تحتية مناسبة وتحفيز الابتكارات في القطاع الخاص من خلال عدد من السياسات واللوائح المختلفة التي تهدف إلى اجتذاب مشاركة أكبر من القطاع الخاص. ولا يكفي كذلك التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي والجامعات والمعاهد الأجنبية لفتح فروع لها إذا كان الهدف منها مجرد تحقيق أرباح ما لم تحصل على تصنيفات عالمية عالية.

إذاً لا يزال دور القطاع الخاص سلبياً في الإنفاق على البحث العلمي والتطوير والإشراف على المراكز العلمية والمعاهد المتخصصة، فلا تزال الشركات في أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان تستحوذ على أكثر من 90 في المائة من إنفاق الشركات في العالم، لأن دور الشركات هو محاولة تجسير فجوة المهارات في مراكز التدريب المهني لأن جهود القطاع الخاص تهدف إلى تبني مراكز التدريب المهني التابعة للدولة بأن تكون ذات صلة بالصناعات الحديثة وإيجاد العمال المؤهلين. ولذلك تحتاج دول الخليج إلى مواصلة العمل الجماعي وإعادة تأهيل شركاتها عبر الاندماج والاستحواذ والمشاركة حتى تتمكن من أداء دورها ومنافسة الشركات الأجنبية.

::/fulltext::
::cck::836::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *