حلف (الناتو) متغير جوهري في الصراع الدولي

::cck::838::/cck::
::introtext::

شهدت تسعينات القرن الماضي حروب التفكيك الأمريكية ذات الطابع الإمبريالي، وكان المتضرر الأكثر هو العالم العربي الإسلامي، ويعد أبرز متغير في مسرح الصراع الدولي هو إشراك حلف (الناتو) في الغزوات الأمريكية خارج أراضي الحلف الأطلنطي.

::/introtext::
::fulltext::

شهدت تسعينات القرن الماضي حروب التفكيك الأمريكية ذات الطابع الإمبريالي، وكان المتضرر الأكثر هو العالم العربي الإسلامي، ويعد أبرز متغير في مسرح الصراع الدولي هو إشراك حلف (الناتو) في الغزوات الأمريكية خارج أراضي الحلف الأطلنطي.

يعد ذلك تحولاً سلبياً خطيراً يلقي بظلاله على الأمن والسلم الدوليين، ويؤكد نهج شريعة الغاب الأمريكية، ويقود إلى مجتمع فوضوي، وكان أبرز تلك الحروب، البلقان وأفغانستان والعراق وإفريقيا واليمن..إلخ، ناهيك عن الوجود العسكري والأمني والتدريبي في الخليج وبقية الدول العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة والمرتبطة بمعاهدات عسكرية مختلفة تحت يافطة مظلة الحماية والحرب على الإرهاب الأمريكية، ويجد الخبراء أن هذا التماس الحربي الواسع في أراضي خارج النطاق الجيوسياسي لأوروبا خرق جوهري لأبجديات التشكيل والعقيدة العسكرية للحلف، التي تنص على الدفاع عن دول الحلف حصراً، وبالتأكيد جرى خرق المحددات القانونية في ظل المجتمع الفوضوي الذي تقوده حليفته أمريكا، التي تتحكم في المؤسسات الأممية ضمن فلسفة (الهيمنة الكونية)، وتشرعن من خلاله حروبها المدمرة، وقد مني الحلف بخسائر مادية وبشرية كبيرة في أفغانستان، ويبدو أن غايته الحربية انحرفت عن الغاية المحورية وهي الدفاع، ولا يزال هذا الحلف مثار جدل واسع حول مستقبله وتمويله وطبيعة مهامه الحربية، التي بدورها تخلق حزمة من التداعيات ستؤول إلى تفتيته أو المطالبة بتفكيكه أو انهياره، وأضحت الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل مع الحلف كذراع عسكرية في أوروبا، ووسيلة ردع ضد دول التقاطع الاستراتيجي في آسيا وإفريقيا، ويعمل كلاهما بقوة على منع قيام أي حلف عسكري آخر أو مشابه، وعلى سبيل المثال حلف عربي إقليمي أو حلف آسيوي أو إفريقي فعال.

حلف شمال الأطلنطي (الناتو)

تأسس حلف شمال الأطلنطي – الناتو عام 1949م بناء على معاهدة شمال الأطلنطي التي تم توقيعها في واشنطن في الرابع من إبريل عام 1949 م، ويقع مقر قيادة حلف (الناتو) في بروكسل عاصمة بلجيكا، وللحلف لغتان رسميتان هما الإنجليزية والفرنسية، وتحدد الدور العسكري الرئيسي للحلف بحراسة حرية الملاحة، وحماية الدول الأعضاء من أي اعتداء عسكري عليها باستخدام حشد القوة العسكرية المتحالفة، ولعب الحلف دوراً محورياً في الأزمات السياسية، وقد أسهمت كافة الدول الأعضاء في حشد القوات وتوفير المعدات العسكرية لتشكيل حلف عسكري يعد الأكبر من نوعه في العالم، وهناك دول أخرى ذات علاقات وطيدة بحلف الناتو إلا أنها ليست جزءاً من تشكيلته الرسمية، ويطلق عليها لقب (حليف رئيسي) لحلف الناتو، وهناك خمس دول مسؤولة عن منح الألقاب التعريفية وهي الولايات المتحدة الأمريكية – المملكة المتحدة – نيوزيلندا – كندا وأستراليا وتسمى (لجنة التوحيد والتنسيق الجوي)، وتعد تلك الدول اللوبي المهيمن على القرار الحربي وشكل العمليات العسكرية للحلف وتتسق مع المفاهيم الحربية المشتركة والمهام ذات الطابع السياسي لعقيدة تلك الدول.

 ويعد أبرز دوافع تشكيل الحلف هو الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقاً، حيث سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أمركة أوروبا سياسياً وعسكرياً، وحشدها ضد الاتحاد السوفييتي، وأطلقت على حلفائها تسمية الأنظمة الديمقراطية لوراثة أصول بريطانيا العظمى في الشرق الأوسط، وتمكنت بعد انتهاء الحرب الباردة من أمركة دول شرق أوروبا (أوروبا الشرقية) وتفكيكها عبر الحروب والانقلابات العسكرية والسياسية، لتسهل السيطرة عليها ضمن أسلوب القضم الجيوبوليتيكي والتفكيك المجتمعي، لتدمجها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مع دول غرب أوروبا مؤسساتياً واقتصادياً، وتجعل منها قواعد عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ استراتيجية وأوراق ضغط سياسية، وللحلف أهداف عسكرية معلنة هلامية نحو دول التقاطع الاستراتيجي في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وهي: حماية دول العالم بشكل عام، وحماية الدول الأعضاء فيه بشكل خاص، وحفظ الأمن والاستقرار، ويبدو واضحاً من خلال تلك الأهداف التي اتخذت من (الحرب العالمية على الإرهاب) بمنحاها الراديكالي المتطرف منهجية حربية لها وبمنحى استراتيجي، مما يؤمن حرية الحركة والمناورة الحربية في أي بقعة، وكذلك حشد ونقل القطعات العسكرية والمعدات، نحو دول الاستهداف الاستراتيجي.

الدور والعمليات خارج إطار المهام

 تحول حلف الناتو لتنفيذ مهام استراتيجية عسكرية ذات منحى سياسي واقتصادي خططت لها الولايات المتحدة لمدى بعيد، ويعتبر الحلف اليوم الظهير العسكري الداعم للولايات المتحدة في أوروبا وقوة ردع لآسيا وإفريقيا ضمن فلسفة الصراع القاري، واللافت للنظر التحول في العقيدة العسكرية للحلف خصوصاً بعد انتهاء التهديد وتفكيك الاتحاد السوفييتي، وقد ترك أعضاء الحلف الباب مفتوحاً أمام مهام حربية مستقبلية هلامية تطال كافة بقع الأرض، ونشهد دوراً عسكرياً متعاظماً للحلف في (أفغانستان) و(العراق) والخليج وإفريقيا واليمن، والتقرب الناعم نحو القوقاز ودول آسيا، وهو خارج الإطار الاستراتيجي الذي تأسس من أجله الحلف في بداية النصف الثاني من القرن الماضي. وما يثير الريبة والشك في عملية التحول أنها تعيد إلى الأذهان المفاهيم الاستعمارية، وإعادة العالم والمنطقة إلى مفهوم الاستعباد والاستعمار القاسي والناعم، وقد شهدنا فتح الأسواق بالقوة، واحتكار النفط والغاز، وترويجاً واسعاً لسوق السلاح، وصناعة الإرهاب وتجارة الأمن والمرتزقة في دول العالم الثالث حصراً، وينظر كثيرون إلى السياسة الأمريكية والأوروبية أنها تستعدي العالم العربي والإسلامي تحت يافطة محاربة الإرهاب، وفي الوقت نفسه تذكي الصراع بين المسلمين عمودياً إلى سنة وشيعة وتتلاعب بهم كجزء من استراتيجية أكبر في هذا المجال، وهذا جاء متناغماً مع ما أوصى به فريق (بلتشلي2) وأعضاؤه من المحافظين الجدد في أمريكا، وقد أعدوا وثيقة من سبع صفحات أطلق عليها (دلتا الإرهاب) التي تستهدف تقسيم وتفتيت دول العالم العربي والإسلامي.

مشروع واشنطن الخاص بالناتو

أجرت الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول الأعضاء في حلف الناتو عدداً من المتغيرات التكنيكية لأغراض صيانة الاستراتيجية ذات الطابع السياسي والعسكري، خصوصاً بعد الأزمة المالية وتردي جاهزية القوات الأمريكية من جراء غزو العراق وأفغانستان، وكان عدد من مراكز الدراسات في الولايات المتحدة قد أعدوا مشروعاً للتعاون الاستراتيجي أطلق عليه (مشروع واشنطن الخاص بالناتو) ، ويتسق مع مطالب عدد من الدول الأوروبية ذات النزعة الكولونيالية والطامحة للعب دور عسكري عالمي يتسق مع الاستراتيجية العسكرية للهيمنة على العالم، خصوصاً إذا علمنا أن الولايات المتحدة بعد أن تستنزف قوتها الصلبة تستخدم استراتيجية (الاقتراب غير المباشر) عبر سياسة التحالفات باستخدام القوة الناعمة والذكية واستخدام القوة أو التلويح بها، أو عبر فرض القوة من خلال طرف ثالث (الحرب بالوكالة) ، والاتكاء على حرب الأشباح، وممارسة الاحتواء المزدوج، ويمكن رصد عدد من المتغيرات والمطالب والتوصيات لتعزيز الشراكة الاستراتيجية السياسية والعسكرية بين الطرفين، ويبدو أنه هروب إلى الأمام لإيقاف الانهيار والفشل السياسي والعسكري في محور أفغانستان – باكستان وكذلك العراق والتقرب نحو القوقاز:

1- تهيئة قوات التدخل السريع للحلف، جرى إشراكها في أفغانستان خارج نطاق الغاية الاستراتيجية، مع الدعوة إلى زيادة ميزانية الحلف العسكرية.

2- تعزيز قدرات المواصلات الجوية لنقل القوات الاستراتيجية، بحيث تتمكن من نقل القوات السريع إلى مناطق الحرب المنتخبة من خلال أسطول جوي مميز.

3- إدماج القسمين المدني والعسكري لموظفي الناتو الدوليين، وإدخال تعديلات على اللجنة العسكرية في الحلف (وحدة القيادة والاقتصاد بالجهد) .

4- توسيع نطاق الحلف بالتعاون مع شركاء عالميين وتفعيل خطط ضم دول أوروبية جديدة إليه ( القضم القاري).

5- تأسيس فريق استشاري بحثي (مشروع واشنطن الخاص بالناتو)، ويهدف الفريق إلى (إيجاد الحلول والسبل الكفيلة بإعادة إحياء دور الناتو في تأمين الحماية والأمن للتحالف الأمريكي-الأوروبي)، بالإضافة إلى التفكير في الأدوار التي يمكن أن يلعبها في التأثير في مسارح الصراع العالمي.

6- دمج كافة القدرات لكل من أمريكا وأوروبا وفقاً لـ (المفهوم الاستراتيجي للناتو) والسعي إلى إنشاء جهاز قيادة من ثلاثة مستويات (استراتيجي – عملياتي – وحدة القيادة) وتقليص عدد مقرات الانتشار المشتركة إلى ثلاثة فقط بدلاً من ستة.

7- السعي لتعزيز القوات التقليدية القابلة للانتشار، والتي تشمل قوات المدرعات الخفيفة والثقيلة، وقوات التدخل السريع، وتعزيز أنظمة الدعم الاستراتيجي التي تشمل الاتصالات والاستخبارات والاستطلاع، والتركيز على أنظمة الدفاع الصاروخية، وتعزيز أداء أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والأرضي.

خريطة طريق لتعزيز الهيمنة الدولية

اتجهت أمريكا مؤخراً إلى دمج حلف (الناتو) وإشراكه في غزواتها وحروبها وجعله الظهير الاستراتيجي العسكري لها في العالم ومنها آسيا وإفريقيا والعالم العربي، تمهيداً لمزاوجة القدرات العسكرية واندماجها بالكامل خلف مفاهيم إيديولوجية متشددة (حرب العقائد والأفكار)، وخرقت بذلك السياقات الأساسية المعتمدة في تشكيل الحلف، وبالمقابل فشلت الدول العربية والإسلامية أو دول العالم الثالث في تشكيل حلف عسكري متكامل مماثل يحقق مقومات التوازن والأمن والدفاع، وأضحى ذلك من المحظورات وخطاً أحمر أمريكياً إسرائيلياً، مما أحدث خرقاً كبيراً في موازين القوى وتوازن المصالح، وبات التحالف الثلاثي الولايات المتحدة وإسرائيل ومن خلفهما الظهير الأوروبي (حلف الناتو) حقيقة ملموسة تعمل على:

1- إذكاء الحرب الديموغرافية والنزاعات الدموية في العالم العربي والإسلامي وتقسيم مجتمعاته بشكل عمودي سنة وشيعة وأفقياً طوائف ومذاهب وأعراقاً، ونسف منظومة القيم الوطنية والدولية بما فيها الدينية والقومية.

2- تسويف القضية الفلسطينية و(مرفنة) أقطاب الصراع بلعبة المفاوضات وتقزيم الصراع العربي-الصهيوني إلى صراع إسرائيلي-فلسطيني، في ظل تهويد القدس وتوسيع سياسة الاستيطان والتغيير الديموغرافي وطمس حقوق الشعب الفلسطيني بالكامل مع إذكاء روح الانشقاق والاحتراب ضمن الجسد الواحد.

3- تدمير وتفكيك العراق (القوة الصلبة العربية) وتصفير دولته وقواته المسلحة واستبدالها بمنظومات ومؤسسات هشة مدمجة تفتقر إلى عقيدة عسكرية وطنية، وإرساء منظومة مفاهيم وقوانين هجينة تفتقر إلى التجانس مع البيئة المؤسساتية والاجتماعية العراقية ولا تخدم المصلحة العليا للعراق ( الدستور- قوانين الاستثمار والخصخصة –قانون مكافحة الإرهاب، المحاكم الخاصة.. إلخ)، وتلقي بظلالها على البنية التحتية العراقية، وتجعل من العراق مقسماً مفككاً ضعيفاً تسوده النزاعات وصراع المغانم الفئوية والطائفية والشخصية كما هو اليوم، وترسيخ المفاهيم الاستعمارية التي تروجها الشركات الكبرى واللوبي الصهيوني.

4- ديمومة العمل على إعادة هيكلة الشرق الأوسط (مشروع رالف بيترز2006)، ويبدو جلياً في ملامح تقسيم السودان والعراق ولبنان واليمن والصومال ومصر، وتفكيك الوطن العربي تمهيداً لجعله 56 دويلة بدلاً من 22 قطراً عربياً وبذلك يخرج العرب من معادلة الصراع.

5- التقرب والقضم الناعم نحو القارة الآسيوية ويعد الهدف الاستراتيجي النهائي.

وبالمحصلة نجد أن النظام الرسمي فقد العربي تأثيره في صنع القرار السياسي الدولي، وكذلك قوته ومكانته وتماسكه، خصوصاً بعد كارثة فلسطين وخطيئة العراق ونزوة السودان وهبة الصومال، والتخلي عن القوة كخيار للسلام مع التزام العرب الصارم بالخطوط الحمر الأمريكية التي تبدد أمنه القومي، ولم تجرؤ الدول العربية على تخطي تلك الخطوط في ظل التهديدات الخطيرة التي تعصف بها، وبالمقابل نجد سعياً محموماً لتعشيق القدرات السياسية والعسكرية الأمريكية – الإسرائيلية – الأوروبية، خصوصاً بعد التحول الخطير لحلف الناتو، الذي تحول من (عقيدة عسكرية دفاعية) إلى مهام الحروب والغزوات العالمية (العقيدة العسكرية الهجومية)، ولا يمكن إغفال الهيمنة الإسرائيلية والاختراق الليبرالي لدول العالم العربي واستخدام أراضيها كمسارح للتصفيات والضربات الجوية والحرب الشبحية وبالتنافس مع إيران لتقسيم التركة العربية بينهما. وبالتأكيد أن القوة جوهر الصراع وقد جردت أمريكا العالم العربي من القدرة الصلبة بعد تحطيم القدرة الصلبة العراقية بشكل بشع، وفي الغالب هم يحشدون وفق تخطيط أيديولوجي متشدد، وتلك هي المخططات الاستراتيجية الأمريكصهيونية لحرب الفناء الكونية. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::838::/cck::
::introtext::

شهدت تسعينات القرن الماضي حروب التفكيك الأمريكية ذات الطابع الإمبريالي، وكان المتضرر الأكثر هو العالم العربي الإسلامي، ويعد أبرز متغير في مسرح الصراع الدولي هو إشراك حلف (الناتو) في الغزوات الأمريكية خارج أراضي الحلف الأطلنطي.

::/introtext::
::fulltext::

شهدت تسعينات القرن الماضي حروب التفكيك الأمريكية ذات الطابع الإمبريالي، وكان المتضرر الأكثر هو العالم العربي الإسلامي، ويعد أبرز متغير في مسرح الصراع الدولي هو إشراك حلف (الناتو) في الغزوات الأمريكية خارج أراضي الحلف الأطلنطي.

يعد ذلك تحولاً سلبياً خطيراً يلقي بظلاله على الأمن والسلم الدوليين، ويؤكد نهج شريعة الغاب الأمريكية، ويقود إلى مجتمع فوضوي، وكان أبرز تلك الحروب، البلقان وأفغانستان والعراق وإفريقيا واليمن..إلخ، ناهيك عن الوجود العسكري والأمني والتدريبي في الخليج وبقية الدول العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة والمرتبطة بمعاهدات عسكرية مختلفة تحت يافطة مظلة الحماية والحرب على الإرهاب الأمريكية، ويجد الخبراء أن هذا التماس الحربي الواسع في أراضي خارج النطاق الجيوسياسي لأوروبا خرق جوهري لأبجديات التشكيل والعقيدة العسكرية للحلف، التي تنص على الدفاع عن دول الحلف حصراً، وبالتأكيد جرى خرق المحددات القانونية في ظل المجتمع الفوضوي الذي تقوده حليفته أمريكا، التي تتحكم في المؤسسات الأممية ضمن فلسفة (الهيمنة الكونية)، وتشرعن من خلاله حروبها المدمرة، وقد مني الحلف بخسائر مادية وبشرية كبيرة في أفغانستان، ويبدو أن غايته الحربية انحرفت عن الغاية المحورية وهي الدفاع، ولا يزال هذا الحلف مثار جدل واسع حول مستقبله وتمويله وطبيعة مهامه الحربية، التي بدورها تخلق حزمة من التداعيات ستؤول إلى تفتيته أو المطالبة بتفكيكه أو انهياره، وأضحت الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل مع الحلف كذراع عسكرية في أوروبا، ووسيلة ردع ضد دول التقاطع الاستراتيجي في آسيا وإفريقيا، ويعمل كلاهما بقوة على منع قيام أي حلف عسكري آخر أو مشابه، وعلى سبيل المثال حلف عربي إقليمي أو حلف آسيوي أو إفريقي فعال.

حلف شمال الأطلنطي (الناتو)

تأسس حلف شمال الأطلنطي – الناتو عام 1949م بناء على معاهدة شمال الأطلنطي التي تم توقيعها في واشنطن في الرابع من إبريل عام 1949 م، ويقع مقر قيادة حلف (الناتو) في بروكسل عاصمة بلجيكا، وللحلف لغتان رسميتان هما الإنجليزية والفرنسية، وتحدد الدور العسكري الرئيسي للحلف بحراسة حرية الملاحة، وحماية الدول الأعضاء من أي اعتداء عسكري عليها باستخدام حشد القوة العسكرية المتحالفة، ولعب الحلف دوراً محورياً في الأزمات السياسية، وقد أسهمت كافة الدول الأعضاء في حشد القوات وتوفير المعدات العسكرية لتشكيل حلف عسكري يعد الأكبر من نوعه في العالم، وهناك دول أخرى ذات علاقات وطيدة بحلف الناتو إلا أنها ليست جزءاً من تشكيلته الرسمية، ويطلق عليها لقب (حليف رئيسي) لحلف الناتو، وهناك خمس دول مسؤولة عن منح الألقاب التعريفية وهي الولايات المتحدة الأمريكية – المملكة المتحدة – نيوزيلندا – كندا وأستراليا وتسمى (لجنة التوحيد والتنسيق الجوي)، وتعد تلك الدول اللوبي المهيمن على القرار الحربي وشكل العمليات العسكرية للحلف وتتسق مع المفاهيم الحربية المشتركة والمهام ذات الطابع السياسي لعقيدة تلك الدول.

 ويعد أبرز دوافع تشكيل الحلف هو الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقاً، حيث سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أمركة أوروبا سياسياً وعسكرياً، وحشدها ضد الاتحاد السوفييتي، وأطلقت على حلفائها تسمية الأنظمة الديمقراطية لوراثة أصول بريطانيا العظمى في الشرق الأوسط، وتمكنت بعد انتهاء الحرب الباردة من أمركة دول شرق أوروبا (أوروبا الشرقية) وتفكيكها عبر الحروب والانقلابات العسكرية والسياسية، لتسهل السيطرة عليها ضمن أسلوب القضم الجيوبوليتيكي والتفكيك المجتمعي، لتدمجها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مع دول غرب أوروبا مؤسساتياً واقتصادياً، وتجعل منها قواعد عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ استراتيجية وأوراق ضغط سياسية، وللحلف أهداف عسكرية معلنة هلامية نحو دول التقاطع الاستراتيجي في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وهي: حماية دول العالم بشكل عام، وحماية الدول الأعضاء فيه بشكل خاص، وحفظ الأمن والاستقرار، ويبدو واضحاً من خلال تلك الأهداف التي اتخذت من (الحرب العالمية على الإرهاب) بمنحاها الراديكالي المتطرف منهجية حربية لها وبمنحى استراتيجي، مما يؤمن حرية الحركة والمناورة الحربية في أي بقعة، وكذلك حشد ونقل القطعات العسكرية والمعدات، نحو دول الاستهداف الاستراتيجي.

الدور والعمليات خارج إطار المهام

 تحول حلف الناتو لتنفيذ مهام استراتيجية عسكرية ذات منحى سياسي واقتصادي خططت لها الولايات المتحدة لمدى بعيد، ويعتبر الحلف اليوم الظهير العسكري الداعم للولايات المتحدة في أوروبا وقوة ردع لآسيا وإفريقيا ضمن فلسفة الصراع القاري، واللافت للنظر التحول في العقيدة العسكرية للحلف خصوصاً بعد انتهاء التهديد وتفكيك الاتحاد السوفييتي، وقد ترك أعضاء الحلف الباب مفتوحاً أمام مهام حربية مستقبلية هلامية تطال كافة بقع الأرض، ونشهد دوراً عسكرياً متعاظماً للحلف في (أفغانستان) و(العراق) والخليج وإفريقيا واليمن، والتقرب الناعم نحو القوقاز ودول آسيا، وهو خارج الإطار الاستراتيجي الذي تأسس من أجله الحلف في بداية النصف الثاني من القرن الماضي. وما يثير الريبة والشك في عملية التحول أنها تعيد إلى الأذهان المفاهيم الاستعمارية، وإعادة العالم والمنطقة إلى مفهوم الاستعباد والاستعمار القاسي والناعم، وقد شهدنا فتح الأسواق بالقوة، واحتكار النفط والغاز، وترويجاً واسعاً لسوق السلاح، وصناعة الإرهاب وتجارة الأمن والمرتزقة في دول العالم الثالث حصراً، وينظر كثيرون إلى السياسة الأمريكية والأوروبية أنها تستعدي العالم العربي والإسلامي تحت يافطة محاربة الإرهاب، وفي الوقت نفسه تذكي الصراع بين المسلمين عمودياً إلى سنة وشيعة وتتلاعب بهم كجزء من استراتيجية أكبر في هذا المجال، وهذا جاء متناغماً مع ما أوصى به فريق (بلتشلي2) وأعضاؤه من المحافظين الجدد في أمريكا، وقد أعدوا وثيقة من سبع صفحات أطلق عليها (دلتا الإرهاب) التي تستهدف تقسيم وتفتيت دول العالم العربي والإسلامي.

مشروع واشنطن الخاص بالناتو

أجرت الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول الأعضاء في حلف الناتو عدداً من المتغيرات التكنيكية لأغراض صيانة الاستراتيجية ذات الطابع السياسي والعسكري، خصوصاً بعد الأزمة المالية وتردي جاهزية القوات الأمريكية من جراء غزو العراق وأفغانستان، وكان عدد من مراكز الدراسات في الولايات المتحدة قد أعدوا مشروعاً للتعاون الاستراتيجي أطلق عليه (مشروع واشنطن الخاص بالناتو) ، ويتسق مع مطالب عدد من الدول الأوروبية ذات النزعة الكولونيالية والطامحة للعب دور عسكري عالمي يتسق مع الاستراتيجية العسكرية للهيمنة على العالم، خصوصاً إذا علمنا أن الولايات المتحدة بعد أن تستنزف قوتها الصلبة تستخدم استراتيجية (الاقتراب غير المباشر) عبر سياسة التحالفات باستخدام القوة الناعمة والذكية واستخدام القوة أو التلويح بها، أو عبر فرض القوة من خلال طرف ثالث (الحرب بالوكالة) ، والاتكاء على حرب الأشباح، وممارسة الاحتواء المزدوج، ويمكن رصد عدد من المتغيرات والمطالب والتوصيات لتعزيز الشراكة الاستراتيجية السياسية والعسكرية بين الطرفين، ويبدو أنه هروب إلى الأمام لإيقاف الانهيار والفشل السياسي والعسكري في محور أفغانستان – باكستان وكذلك العراق والتقرب نحو القوقاز:

1- تهيئة قوات التدخل السريع للحلف، جرى إشراكها في أفغانستان خارج نطاق الغاية الاستراتيجية، مع الدعوة إلى زيادة ميزانية الحلف العسكرية.

2- تعزيز قدرات المواصلات الجوية لنقل القوات الاستراتيجية، بحيث تتمكن من نقل القوات السريع إلى مناطق الحرب المنتخبة من خلال أسطول جوي مميز.

3- إدماج القسمين المدني والعسكري لموظفي الناتو الدوليين، وإدخال تعديلات على اللجنة العسكرية في الحلف (وحدة القيادة والاقتصاد بالجهد) .

4- توسيع نطاق الحلف بالتعاون مع شركاء عالميين وتفعيل خطط ضم دول أوروبية جديدة إليه ( القضم القاري).

5- تأسيس فريق استشاري بحثي (مشروع واشنطن الخاص بالناتو)، ويهدف الفريق إلى (إيجاد الحلول والسبل الكفيلة بإعادة إحياء دور الناتو في تأمين الحماية والأمن للتحالف الأمريكي-الأوروبي)، بالإضافة إلى التفكير في الأدوار التي يمكن أن يلعبها في التأثير في مسارح الصراع العالمي.

6- دمج كافة القدرات لكل من أمريكا وأوروبا وفقاً لـ (المفهوم الاستراتيجي للناتو) والسعي إلى إنشاء جهاز قيادة من ثلاثة مستويات (استراتيجي – عملياتي – وحدة القيادة) وتقليص عدد مقرات الانتشار المشتركة إلى ثلاثة فقط بدلاً من ستة.

7- السعي لتعزيز القوات التقليدية القابلة للانتشار، والتي تشمل قوات المدرعات الخفيفة والثقيلة، وقوات التدخل السريع، وتعزيز أنظمة الدعم الاستراتيجي التي تشمل الاتصالات والاستخبارات والاستطلاع، والتركيز على أنظمة الدفاع الصاروخية، وتعزيز أداء أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والأرضي.

خريطة طريق لتعزيز الهيمنة الدولية

اتجهت أمريكا مؤخراً إلى دمج حلف (الناتو) وإشراكه في غزواتها وحروبها وجعله الظهير الاستراتيجي العسكري لها في العالم ومنها آسيا وإفريقيا والعالم العربي، تمهيداً لمزاوجة القدرات العسكرية واندماجها بالكامل خلف مفاهيم إيديولوجية متشددة (حرب العقائد والأفكار)، وخرقت بذلك السياقات الأساسية المعتمدة في تشكيل الحلف، وبالمقابل فشلت الدول العربية والإسلامية أو دول العالم الثالث في تشكيل حلف عسكري متكامل مماثل يحقق مقومات التوازن والأمن والدفاع، وأضحى ذلك من المحظورات وخطاً أحمر أمريكياً إسرائيلياً، مما أحدث خرقاً كبيراً في موازين القوى وتوازن المصالح، وبات التحالف الثلاثي الولايات المتحدة وإسرائيل ومن خلفهما الظهير الأوروبي (حلف الناتو) حقيقة ملموسة تعمل على:

1- إذكاء الحرب الديموغرافية والنزاعات الدموية في العالم العربي والإسلامي وتقسيم مجتمعاته بشكل عمودي سنة وشيعة وأفقياً طوائف ومذاهب وأعراقاً، ونسف منظومة القيم الوطنية والدولية بما فيها الدينية والقومية.

2- تسويف القضية الفلسطينية و(مرفنة) أقطاب الصراع بلعبة المفاوضات وتقزيم الصراع العربي-الصهيوني إلى صراع إسرائيلي-فلسطيني، في ظل تهويد القدس وتوسيع سياسة الاستيطان والتغيير الديموغرافي وطمس حقوق الشعب الفلسطيني بالكامل مع إذكاء روح الانشقاق والاحتراب ضمن الجسد الواحد.

3- تدمير وتفكيك العراق (القوة الصلبة العربية) وتصفير دولته وقواته المسلحة واستبدالها بمنظومات ومؤسسات هشة مدمجة تفتقر إلى عقيدة عسكرية وطنية، وإرساء منظومة مفاهيم وقوانين هجينة تفتقر إلى التجانس مع البيئة المؤسساتية والاجتماعية العراقية ولا تخدم المصلحة العليا للعراق ( الدستور- قوانين الاستثمار والخصخصة –قانون مكافحة الإرهاب، المحاكم الخاصة.. إلخ)، وتلقي بظلالها على البنية التحتية العراقية، وتجعل من العراق مقسماً مفككاً ضعيفاً تسوده النزاعات وصراع المغانم الفئوية والطائفية والشخصية كما هو اليوم، وترسيخ المفاهيم الاستعمارية التي تروجها الشركات الكبرى واللوبي الصهيوني.

4- ديمومة العمل على إعادة هيكلة الشرق الأوسط (مشروع رالف بيترز2006)، ويبدو جلياً في ملامح تقسيم السودان والعراق ولبنان واليمن والصومال ومصر، وتفكيك الوطن العربي تمهيداً لجعله 56 دويلة بدلاً من 22 قطراً عربياً وبذلك يخرج العرب من معادلة الصراع.

5- التقرب والقضم الناعم نحو القارة الآسيوية ويعد الهدف الاستراتيجي النهائي.

وبالمحصلة نجد أن النظام الرسمي فقد العربي تأثيره في صنع القرار السياسي الدولي، وكذلك قوته ومكانته وتماسكه، خصوصاً بعد كارثة فلسطين وخطيئة العراق ونزوة السودان وهبة الصومال، والتخلي عن القوة كخيار للسلام مع التزام العرب الصارم بالخطوط الحمر الأمريكية التي تبدد أمنه القومي، ولم تجرؤ الدول العربية على تخطي تلك الخطوط في ظل التهديدات الخطيرة التي تعصف بها، وبالمقابل نجد سعياً محموماً لتعشيق القدرات السياسية والعسكرية الأمريكية – الإسرائيلية – الأوروبية، خصوصاً بعد التحول الخطير لحلف الناتو، الذي تحول من (عقيدة عسكرية دفاعية) إلى مهام الحروب والغزوات العالمية (العقيدة العسكرية الهجومية)، ولا يمكن إغفال الهيمنة الإسرائيلية والاختراق الليبرالي لدول العالم العربي واستخدام أراضيها كمسارح للتصفيات والضربات الجوية والحرب الشبحية وبالتنافس مع إيران لتقسيم التركة العربية بينهما. وبالتأكيد أن القوة جوهر الصراع وقد جردت أمريكا العالم العربي من القدرة الصلبة بعد تحطيم القدرة الصلبة العراقية بشكل بشع، وفي الغالب هم يحشدون وفق تخطيط أيديولوجي متشدد، وتلك هي المخططات الاستراتيجية الأمريكصهيونية لحرب الفناء الكونية. 

::/fulltext::
::cck::838::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *