متطلبات إصلاح التعليم في الخليج العربي

::cck::819::/cck::
::introtext::

لن ندخل في جدال حقيقة أن بعضاً من الدول العربية كمصر وبلاد الشام كان لها قصب السبق في التعريف بالتعليم الحديث في المنطقة، بل لن ندخل في نفي حقيقة أن التعليم اعتمد في بداياته على المدخلات البشرية والفكرية لهذه الدول، وبات نتيجة لذلك نظامنا التعليمي متناغماً من حيث المدخلات البشرية والفكرية ولربما السياسية مع هذه الدول، بل إنه في الكثير من أوجه وظائفه لا يختلف عن وظائف الأنظمة التعليمية التي استقينا منها مدخلاته الأولى.

::/introtext::
::fulltext::

لن ندخل في جدال حقيقة أن بعضاً من الدول العربية كمصر وبلاد الشام كان لها قصب السبق في التعريف بالتعليم الحديث في المنطقة، بل لن ندخل في نفي حقيقة أن التعليم اعتمد في بداياته على المدخلات البشرية والفكرية لهذه الدول، وبات نتيجة لذلك نظامنا التعليمي متناغماً من حيث المدخلات البشرية والفكرية ولربما السياسية مع هذه الدول، بل إنه في الكثير من أوجه وظائفه لا يختلف عن وظائف الأنظمة التعليمية التي استقينا منها مدخلاته الأولى.

لكن هذا النظام، وإن بدا قادراً على أداء وظائفه قبل خمسة أو ستة عقود، إلا أنه ونتيجة لتحولات الاقتصاد العالمي وتغير وظائف وطرائق التعليم أضحى نظاماً (معطوباً)، وبناء على ذلك أصبحنا نعاني من (عطب) مخرجات نظامنا التعليمي الذي بدا أنه غير قادر على إكساب الداخلين فيه المهارات الجديدة. ليس فحسب المهارات في المعارف الأساسية في اللغة والرياضيات والعلوم والمهارات الفنية الجديدة، وإنما بدا كذلك عاجزاً عن إكساب الداخلين فيه المهارات الاجتماعية والسياسية والثقافية الجديدة، وهي المهارات التي لم تعد الأطر والمؤسسات التقليدية قادرة على القيام بها. وهي في هذا تمثل الأعطاب ذاتها التي تعاني منها الأنظمة التعليمية في هذه الدول. وعندما ننظر إلى طواقم التعليم في منطقتنا وخبرائه، نجد أنهم يمثلون امتداداً للحالة التي عليها نظامنا التعليمي في سنواته الأولى، لذا فإن إمكاناتهم على التغيير تبقى محكومة بالمساقات التي في ضوئها تشكلوا اجتماعياً وفكرياً.

ويدخل في هذا الإطار موقف الدولة ورؤيتها للتعليم، أي الوظيفة التي تريد الدولة أن تنجزها من خلال النظام التعليمي، أو تلك الوظيفة المنوطة به. فالدول التي استوردنا منها أنظمتنا التعليمية، لا تزال محكومة برؤية وأفق ونظرة الدولة المؤدلجة، رغم فشل ذلك في بعض جوانبه. كما أنها لا تزال محكومة بالهوس الأمني وموقفه من التعليم، وهو الموقف الذي شكل جزءاً من موقفها من النظام التعليمي، وهو في جله موقف (أمني). أي أن بعضاً من الدول العربية لا تنظر للتعليم كأداة من أدوات التغيير، وبالتالي التكيف معها والقبول بحقيقة أن التغييرات التي قد يأتي بها هي جزء من سنة الحياة، و لم يعد بالإمكان التغاضي عنها أو تحريف مسارها، وهي مهمة لا يمكن أن تتم إلا في إطار القبول بريادية التعليم في أي عملية تغيير جادة، وأن مثل ذلك الأمر لا يمكن أن يتم بانتقائية مفرطة. فكل تجارب الدول التي وظفت التعليم بانتقائية غير متوازنة تلكأت فيما بعد في مسارها التنموي، الذي لا يمكن أن ينفصل فيه المسار الاقتصادي عن التحديث السياسي، كما لا يمكن أن يتم ذلك في حيزه الاجتماعي من دون الثقافي. أي هل يرى السياق السياسي في التعليم أداة مهمة من أدوات التغيير، أم أنه يرى فيه أداته لاستمرارية الوضع القائم ثقافياً وسياسياً واجتماعياً؟ وهل يمكن أن يسمح للتعليم بأن يقود التغيير، أم أنه سيبقى الفضاء الذي لا يسمح فيه إلا باكتساب بعض المهارات ذات الحاجة في إدارة الدولة وفي النهوض الاقتصادي من دون أن يأتي ذلك على مركب مراتب الأفراد والجماعات الاجتماعية، هذه المراتب التي باتت عناصرها الذاتية أحد أهم منغصات ومعوقات عمليات التحول في المنطقة.

وفي الحقيقة، فإن إصلاح التعليم يتطلب توافر ثلاثة عناصر أساسية:

أولاً، إرادة سياسية لا ترى في التعليم أداتها في إحداث التحول فحسب، وإنما ترى فيه أداة نهضتها التي لا يمكن لها أن تتحقق من دونها، ليس في المعطى الاقتصادي وإنما في معطياتها المجتمعية الأخرى، وأن تتجاوز بها في أحايين كثيرة الأطر المعرفية القائمة، وأن يكون أداتها في التشكل المجتمعي الجديد ضمن صورة ورؤية واضحة للواقع القائم وتلك الصورة المرسومة للمستقبل.

ثانياً، ضرورة توافر قيادات وعناصر بشرية قادرة على إصلاح التعليم بأفق جديد يتجاوز في أحايين كثيرة بعضاً من المرجعيات التقليدية والتوظيفات السياسية لبعض قوى الإسلام السياسي الممسكة بمفاصل العملية التعليمية في جل المنطقة العربية، وهي في هذا تمثل أحد أهم عناصر إخفاقاتها، على الرغم من تربعها على قيادته لثلاثة أو أربعة عقود فائتة، وأن يتم من خلالها تجاوز التوظيفات السياسية الفجة والخالية من اللياقة والكياسة لبعض القيم السياسية السائدة والمعيقة لأي عملية متوازنة للتحديث السياسي.

ثالثاً، إحداث تغييرات في هياكل النظام التعليمي القائم وفي أنماط وأطر عمليات التمدرس في داخل الفصل الدراسي وفي المدرسة وفي الأدوات التعليمية، والعمل على تغيير مدخلاته الفكرية والحرص على ألا يكون مكاناً للفاشلين والساقطين من الناس في تعليمهم وحياتهم، وألا يكون وعاء حاضناً للأفكار المتشددة والنزوع المتطرف اللا متسامح مع الآخر في المجالين العام والخاص، وفي أطرها الدينية كما هي الاجتماعية. فنظامنا التعليمي، ولأسباب كثيرة، أصبح مجالاً لنشر الأفكار اللامتسامحة من الآخر، ليس عبر الكتب والوسائط التعليمية وفي اللوائح، ولربما الأنظمة، وإنما بات ما تنقله المُدَرِسة أو المُدَرِس من أفكار وتوجهات سياسية وقناعات دينية خاصة وأحياناً نزعات طائفية جامحة للفصل الدراسي والمدرسة، أو ما قد يأتي به الطالب من البيت والمجتمع المحلي وما يتم نقله أحياناً من بعض المؤسسات الدينية للمدرسة، وما يُنقل للمدرسة من خلال المحاضرين الخارجيين وبعض الدعاة من ثقافة وتوجهات وتوجسات ومواقف من الآخر المحلي والآخر الخارجي، هي في واقع أمرها تمثل بحق إحدى كوارث ومنغصات نظامنا التعليمي. بل إنها أحد أهم أسباب الفشل في الوصول إلى الغايات المنشودة منه. 

::/fulltext::

araa74_21-167
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::819::/cck::
::introtext::

لن ندخل في جدال حقيقة أن بعضاً من الدول العربية كمصر وبلاد الشام كان لها قصب السبق في التعريف بالتعليم الحديث في المنطقة، بل لن ندخل في نفي حقيقة أن التعليم اعتمد في بداياته على المدخلات البشرية والفكرية لهذه الدول، وبات نتيجة لذلك نظامنا التعليمي متناغماً من حيث المدخلات البشرية والفكرية ولربما السياسية مع هذه الدول، بل إنه في الكثير من أوجه وظائفه لا يختلف عن وظائف الأنظمة التعليمية التي استقينا منها مدخلاته الأولى.

::/introtext::
::fulltext::

لن ندخل في جدال حقيقة أن بعضاً من الدول العربية كمصر وبلاد الشام كان لها قصب السبق في التعريف بالتعليم الحديث في المنطقة، بل لن ندخل في نفي حقيقة أن التعليم اعتمد في بداياته على المدخلات البشرية والفكرية لهذه الدول، وبات نتيجة لذلك نظامنا التعليمي متناغماً من حيث المدخلات البشرية والفكرية ولربما السياسية مع هذه الدول، بل إنه في الكثير من أوجه وظائفه لا يختلف عن وظائف الأنظمة التعليمية التي استقينا منها مدخلاته الأولى.

لكن هذا النظام، وإن بدا قادراً على أداء وظائفه قبل خمسة أو ستة عقود، إلا أنه ونتيجة لتحولات الاقتصاد العالمي وتغير وظائف وطرائق التعليم أضحى نظاماً (معطوباً)، وبناء على ذلك أصبحنا نعاني من (عطب) مخرجات نظامنا التعليمي الذي بدا أنه غير قادر على إكساب الداخلين فيه المهارات الجديدة. ليس فحسب المهارات في المعارف الأساسية في اللغة والرياضيات والعلوم والمهارات الفنية الجديدة، وإنما بدا كذلك عاجزاً عن إكساب الداخلين فيه المهارات الاجتماعية والسياسية والثقافية الجديدة، وهي المهارات التي لم تعد الأطر والمؤسسات التقليدية قادرة على القيام بها. وهي في هذا تمثل الأعطاب ذاتها التي تعاني منها الأنظمة التعليمية في هذه الدول. وعندما ننظر إلى طواقم التعليم في منطقتنا وخبرائه، نجد أنهم يمثلون امتداداً للحالة التي عليها نظامنا التعليمي في سنواته الأولى، لذا فإن إمكاناتهم على التغيير تبقى محكومة بالمساقات التي في ضوئها تشكلوا اجتماعياً وفكرياً.

ويدخل في هذا الإطار موقف الدولة ورؤيتها للتعليم، أي الوظيفة التي تريد الدولة أن تنجزها من خلال النظام التعليمي، أو تلك الوظيفة المنوطة به. فالدول التي استوردنا منها أنظمتنا التعليمية، لا تزال محكومة برؤية وأفق ونظرة الدولة المؤدلجة، رغم فشل ذلك في بعض جوانبه. كما أنها لا تزال محكومة بالهوس الأمني وموقفه من التعليم، وهو الموقف الذي شكل جزءاً من موقفها من النظام التعليمي، وهو في جله موقف (أمني). أي أن بعضاً من الدول العربية لا تنظر للتعليم كأداة من أدوات التغيير، وبالتالي التكيف معها والقبول بحقيقة أن التغييرات التي قد يأتي بها هي جزء من سنة الحياة، و لم يعد بالإمكان التغاضي عنها أو تحريف مسارها، وهي مهمة لا يمكن أن تتم إلا في إطار القبول بريادية التعليم في أي عملية تغيير جادة، وأن مثل ذلك الأمر لا يمكن أن يتم بانتقائية مفرطة. فكل تجارب الدول التي وظفت التعليم بانتقائية غير متوازنة تلكأت فيما بعد في مسارها التنموي، الذي لا يمكن أن ينفصل فيه المسار الاقتصادي عن التحديث السياسي، كما لا يمكن أن يتم ذلك في حيزه الاجتماعي من دون الثقافي. أي هل يرى السياق السياسي في التعليم أداة مهمة من أدوات التغيير، أم أنه يرى فيه أداته لاستمرارية الوضع القائم ثقافياً وسياسياً واجتماعياً؟ وهل يمكن أن يسمح للتعليم بأن يقود التغيير، أم أنه سيبقى الفضاء الذي لا يسمح فيه إلا باكتساب بعض المهارات ذات الحاجة في إدارة الدولة وفي النهوض الاقتصادي من دون أن يأتي ذلك على مركب مراتب الأفراد والجماعات الاجتماعية، هذه المراتب التي باتت عناصرها الذاتية أحد أهم منغصات ومعوقات عمليات التحول في المنطقة.

وفي الحقيقة، فإن إصلاح التعليم يتطلب توافر ثلاثة عناصر أساسية:

أولاً، إرادة سياسية لا ترى في التعليم أداتها في إحداث التحول فحسب، وإنما ترى فيه أداة نهضتها التي لا يمكن لها أن تتحقق من دونها، ليس في المعطى الاقتصادي وإنما في معطياتها المجتمعية الأخرى، وأن تتجاوز بها في أحايين كثيرة الأطر المعرفية القائمة، وأن يكون أداتها في التشكل المجتمعي الجديد ضمن صورة ورؤية واضحة للواقع القائم وتلك الصورة المرسومة للمستقبل.

ثانياً، ضرورة توافر قيادات وعناصر بشرية قادرة على إصلاح التعليم بأفق جديد يتجاوز في أحايين كثيرة بعضاً من المرجعيات التقليدية والتوظيفات السياسية لبعض قوى الإسلام السياسي الممسكة بمفاصل العملية التعليمية في جل المنطقة العربية، وهي في هذا تمثل أحد أهم عناصر إخفاقاتها، على الرغم من تربعها على قيادته لثلاثة أو أربعة عقود فائتة، وأن يتم من خلالها تجاوز التوظيفات السياسية الفجة والخالية من اللياقة والكياسة لبعض القيم السياسية السائدة والمعيقة لأي عملية متوازنة للتحديث السياسي.

ثالثاً، إحداث تغييرات في هياكل النظام التعليمي القائم وفي أنماط وأطر عمليات التمدرس في داخل الفصل الدراسي وفي المدرسة وفي الأدوات التعليمية، والعمل على تغيير مدخلاته الفكرية والحرص على ألا يكون مكاناً للفاشلين والساقطين من الناس في تعليمهم وحياتهم، وألا يكون وعاء حاضناً للأفكار المتشددة والنزوع المتطرف اللا متسامح مع الآخر في المجالين العام والخاص، وفي أطرها الدينية كما هي الاجتماعية. فنظامنا التعليمي، ولأسباب كثيرة، أصبح مجالاً لنشر الأفكار اللامتسامحة من الآخر، ليس عبر الكتب والوسائط التعليمية وفي اللوائح، ولربما الأنظمة، وإنما بات ما تنقله المُدَرِسة أو المُدَرِس من أفكار وتوجهات سياسية وقناعات دينية خاصة وأحياناً نزعات طائفية جامحة للفصل الدراسي والمدرسة، أو ما قد يأتي به الطالب من البيت والمجتمع المحلي وما يتم نقله أحياناً من بعض المؤسسات الدينية للمدرسة، وما يُنقل للمدرسة من خلال المحاضرين الخارجيين وبعض الدعاة من ثقافة وتوجهات وتوجسات ومواقف من الآخر المحلي والآخر الخارجي، هي في واقع أمرها تمثل بحق إحدى كوارث ومنغصات نظامنا التعليمي. بل إنها أحد أهم أسباب الفشل في الوصول إلى الغايات المنشودة منه. 

::/fulltext::
::cck::819::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *